قراءة في دلالات زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين وتوجيه خطبة الجمعة حول المسجد الأقصى
لا تُقرأ الأحداث السياسية الكبرى دائماً منفصلة عن بعضها؛ فالدلالة لا تكمن في الخبر وحده بل في توقيته وما يجاوره من رسائل. ومن هذه الزاوية، يكتسب الإعلان عن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية، بالتزامن الزمني مع توجيه مساجد المملكة للحديث عن المسجد الأقصى في خطبة الجمعة، أهمية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي أو الوعظ الديني.
المعنى الأبرز في هذا التزامن أن الأردن يوسّع خياراته من دون أن يغيّر بوصلته. فالزيارة الملكية إلى الصين، التي تبدأ الاثنين المقبل، تستهدف الارتقاء بالعلاقات الثنائية، ولا سيما في المجال الاقتصادي، وتتضمن لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب تشاو له جي، إلى جانب لقاءات مع ممثلي شركات صينية كبرى، وبمشاركة وفد وزاري اقتصادي. كما يُنتظر توقيع اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة.
هذه التفاصيل تؤكد أن عمّان تتعامل مع العلاقة مع بكين باعتبارها فرصة لتطوير شراكة اقتصادية واستثمارية أعمق، لا باعتبارها خطوة رمزية أو محاولة لاستبدال حليف بآخر. فالصين لاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي، والانفتاح عليها ينسجم مع حاجة الأردن إلى تنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الأسواق، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرات، وتحويل السياسة الخارجية إلى رافعة للتنمية وفرص العمل.
في عالم تتبدل فيه موازين القوة ومراكز النمو، لا تستطيع الدول أن تضع اقتصادها وعلاقاتها الدولية في سلة واحدة. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وحساسية بيئته الإقليمية، يحتاج إلى سياسة تفتح الأبواب ولا تغلقها، وتبني الشراكات ولا تستبدلها. ومن هنا، فإن حضور الوفد الاقتصادي إلى جانب جلالة الملك يحمل رسالة عملية واضحة: المطلوب من الدبلوماسية الأردنية ألا تنتج المواقف فقط بل أن تنتج أيضاً المشاريع والاستثمارات والأسواق والمصالح الوطنية.
لكن الانفتاح على العالم لا يعني الانفصال عن الثوابت. فتوجيه خطبة الجمعة في مساجد المملكة للحديث عن المسجد الأقصى ينقل القضية من نطاق البيانات الرسمية إلى المجال العام والوعي المجتمعي. وحين يصبح الأقصى موضوعاً حاضراً في منابر المساجد، فإن الرسالة تتجاوز الخطبة ذاتها لتؤكد أن القدس ليست ملفاً دبلوماسياً قابلاً للتقديم والتأخير، بل قضية متصلة بتاريخ الأردن وهويته ودوره، وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس .
وتأتي هذه الرسالة في سياق إقليمي حساس، تشهد فيه القدس والمسجد الأقصى محاولات متكررة للمساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم. لذلك، لا تبدو الإشارة إلى الأقصى منفصلة عن السياسة الأردنية، بل جزءاً من تثبيت الحضور السياسي والأخلاقي للمملكة في قضية ترى أنها تمس الأمن الإقليمي والهوية العربية والإسلامية، فضلاً عن مسؤوليتها التاريخية تجاه المقدسات.
هنا تتضح خصوصية المعادلة الأردنية: الجمع بين الواقعية السياسية والثبات على المبدأ. المتغير هو أدوات الحركة، وشبكة العلاقات، والشراكات الاقتصادية، وموازين القوى. أما الثابت فهو أمن الأردن واستقراره ومصالحه الوطنية، والقضية الفلسطينية، والقدس، والوصاية الهاشمية على مقدساتها. وليس في ذلك ازدواجية أو تناقض؛ بل هو تعبير عن سياسة دولة تميّز بين ما يمكن تطويره وما لا يمكن التفريط به.
من بكين إلى القدس، تتحرك السياسة الأردنية في مسارين متكاملين: البحث عن قوة اقتصادية أكبر والتمسك بقوة سياسية ودور تاريخي لا تريد المملكة التخلي عنه. بكين نافذة على المستقبل الاقتصادي، والأقصى امتداد للثوابت التاريخية. وبين النافذة والامتداد، يحاول الأردن أن يحوّل استقراره إلى فرصة، وموقعه إلى قيمة، وعلاقاته الدولية إلى استثمارات، ودوره الإقليمي إلى حضور مؤثر
وهذه هي الرسالة الأعمق: الأردن لا يختار العزلة، ولا يقبل أن تتحول حاجاته الاقتصادية إلى غطاء لنسيان قضاياه. إنه يوسّع دوائر حركته، ويحافظ على علاقاته، ويبني شراكات جديدة، وفي الوقت نفسه يؤكد أن القدس ستبقى حاضرة في حساباته..
باختصار، المعادلة الأردنية في هذه المرحلة هي: مصالح تتوسع، وشراكات تتعدد، وثوابت لا تتغير
د.عبدالله محمد القضاه يكتب: من بكين إلى الأقصى: الأردن يوسّع خياراته ولا يبدّل ثوابته
منذ 2 ساعة
المشاهدات :
19188
د.عبدالله محمد القضاه
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
إعلان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربية للناجحين بالثانوية العامة
منذ 4 أيام
02
04
الأردن اليوم
العين القضاة: متسولة تجمع 30 ألف دينار من التسول .. ثم تُقتل على يد ابن شقيقتها
منذ 2 يوم
05
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 2 يوم
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
فيصل تايه يكتب: التوجيهي ٢٠٢٦ .. النتيجة ظهرت والامتحان الحقيقي بدأ
منذ 4 أيام
كُتاب سرايا
احمد المفلح يكتب: أصبح هو المشهد حين حاولوا إبعاده… أصبح هو المشهد!
منذ 4 أيام
كُتاب سرايا
العمارات يكتب: نحو تحول كامل لمهننة التعليم
منذ 4 أيام
كُتاب سرايا
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: العيسوي .. أهلٌ لها
منذ 4 أيام
كُتاب سرايا
د. مفضي المومني يكتب: تعديل وزاري .. بكم تزهو المناصب .. !
منذ 4 أيام
أخبار فنية
فن
ريهام عبد الغفور تتحدث عن أكثر عشر سنوات محبطة في حياتها
منذ 21 دقيقة
فن
توو ليت يحتفل بألبومه الجديد "صديق البرنامج" على مسرح يو أرينا (صور)
منذ 2 ساعة
فن
ميريام فارس توثّق مشاركة نجليها بحفلها في السويد
منذ 2 ساعة
فن
أنغام تحتفل بألبومها الجديد "دي روحي" وتقدم أغاني خليجية للجمهور بجدة
منذ 2 ساعة
فن
وفاة مارك ريدل .. مخرج الأوسكار الذي ترك بصمة في هوليوود
منذ 3 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
برشلونة يقدم عرضا ثالثا لضم رودري من مانشستر سيتي
منذ 28 دقيقة
رياضة
أتلتيكو مدريد يتعاقد مع كريستيان روميرو قائد توتنهام
منذ 43 دقيقة
رياضة
مؤتمر صحفي الخميس لتقديم بادو الزاكي مدربا للنشامى
منذ 44 دقيقة
رياضة
الاتحاد يعقد مؤتمراً صحفياً لتقديم الزاكي مدربا للنشامى
منذ 51 دقيقة
رياضة
الفيصلي يغلق تدريباته استعدادًا لمواجهة الوحدات في السوبر
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
تضعها قرب رأسك يومياً .. هل تسبب سماعات الأذن السرطان؟
منذ 13 دقيقة
منوعات من العالم
رغم الجدل .. فرنسا تحظر الهواتف في المدارس الثانوية
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
بمساعدة ChatGPT .. طبيب يحل مسألة رياضية حيرت العلماء لعقود
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ظنها قطعة واحدة .. كيف عثر طالب على كنز بـ9 ملايين يورو؟
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
معدن من "النيازك" زين خواتم نبلاء في حضارة اليونان القديمة
منذ 2 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات