الصلاحين يكتب: على قدر لحافك مدّ رجليك .. حكمة صغيرة تختصر أزمة كبيرة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9751
 الصلاحين يكتب: على قدر لحافك مدّ رجليك ..  حكمة صغيرة تختصر أزمة كبيرة
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

على قدر لحافك مدّ رجليك... حكمة صغيرة تختصر أزمة كبيرة بقلم: الدكتور علي الصلاحين ليست الأمثال الشعبية مجرد عبارات تتناقلها الألسن، بل هي خلاصة تجارب إنسانية اختصرها الأجداد في كلمات قليلة، وبقيت حيّة لأنها تلامس جوهر الحياة. ومن أكثرها عمقًا قولهم: «على قدر لحافك مدّ رجليك»؛ مثل يبدو للوهلة الأولى دعوة إلى الاقتصاد، لكنه في حقيقته فلسفة في تربية الإنسان وإدارة حياته وعلاقاته ومجتمعه. فاللحاف ليس غطاءً فحسب، بل رمز لما نملكه من قدرة ومال ووقت وطاقة، والرجلان ترمزان إلى رغباتنا وطموحاتنا ومطالبنا. والمعنى الأعمق أن يعرف الإنسان حدود قدرته، فيوازن بين ما يريد وما يستطيع، ثم يعمل على توسيع قدرته بدل أن يعيش فوق إمكاناته. نحن نعيش زمنًا أصبحت فيه المقارنة أسلوب حياة؛ يرى الإنسان ما عند غيره، فيشعر أنه مطالب بامتلاكه، وقد ينفق فوق حاجته، ويتحمل فوق طاقته، ويعيش أحيانًا بعين الآخرين لا بعين واقعه. وهنا تبدأ مشكلة اجتماعية تتجاوز المال إلى منظومة كاملة من السلوكيات: المظاهر، والتكلف، والاستهلاك، والمنافسة، ومحاولة إثبات الذات بما نملك لا بما نكون. ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا التربوية. فالتربية السليمة لا تعني أن نحرم أبناءنا، وإنما أن نعلمهم الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الطموح والجشع، وبين الكرم والاستعراض، وبين القناعة والاستسلام. فالطفل الذي يتعلم قيمة الأشياء، ويحترم جهد والديه، ويعرف أن الحصول على ما يريد يحتاج إلى عمل وصبر، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة واتخاذ قرارات متزنة. والحكمة لا تتعلق بالمال وحده؛ فهي تنطبق على الوقت والطاقة والعلاقات أيضًا. ليس علينا أن ندخل كل معركة، ولا أن نرضي كل الناس، ولا أن نحمل أنفسنا فوق طاقتها. ومن الحكمة أن يعرف الإنسان متى يتقدم، ومتى يتوقف، ومتى يقول: لا أستطيع. أما اجتماعيًا، فإن المجتمع الذي تتحول فيه المظاهر إلى معيار للمكانة، والاستهلاك إلى وسيلة لإثبات الذات، والمقارنة إلى أسلوب للحياة، يبدأ في استنزاف أفراده وموارده. وقد يصبح الإنسان أسيرًا لصورة يريد أن يحافظ عليها أمام الناس، بينما يدفع وحده ثمنها من راحته واستقراره. وفي الاقتصاد، تصبح الحكمة أكثر وضوحًا: لا إنفاق بلا حساب، ولا التزامات بلا قدرة، ولا استهلاك يستهلك المستقبل. فالاقتصاد الرشيد ليس حرمانًا، كما أن كثرة الإنفاق ليست كرمًا؛ وإنما حسن تقدير لما نملك، وتحديد لما نحتاج، وتوجيه مواردنا إلى ما ينفعنا. وحتى في إدارة الشأن العام، تبدو الحكمة صالحة؛ فالدول، مثل الأفراد، لها موارد وإمكانات، وحسن الإدارة يعني ترتيب الأولويات، ومحاربة الهدر، وحفظ المال العام، والاستثمار في الإنسان والإنتاج، وعدم تحميل المستقبل أعباء الحاضر. لكن المثل لا يدعونا إلى الاستسلام أو تصغير الأحلام. بل يقول لنا: اعرف إمكاناتك اليوم، ثم اعمل على توسيعها غدًا. فإذا كان لحافك ضيقًا، فلا تمد رجليك خارجه، بل وسّع لحافك بالعلم والعمل والإنتاج، لا بالمظاهر والديون والعيش فوق القدرة. ولعل أجمل ما يمكن أن نعلمه أبناءنا أن القناعة ليست أن تتخلى عن طموحك، وإنما أن تعرف قيمة ما لديك، وأن تسعى إلى ما تريد دون أن تفقد ما تملك. وليس عيبًا أن تبدأ من القليل؛ العيب أن تبدد القليل لأنك تريد أن تبدو كثيرًا. لقد أصبحنا بحاجة إلى هذه الحكمة أكثر من أي وقت مضى؛ لأن أزمتنا ليست دائمًا في قلة الموارد، بل أحيانًا في سوء إدارة الموارد، واتساع الرغبات، وضغط المظاهر، وضعف القدرة على التمييز بين ما نحتاج وما نريد. لذلك فإن «على قدر لحافك مدّ رجليك» ليست دعوة إلى حياة ضيقة، وإنما إلى حياة واعية؛ أن تعرف حاجتك، وتحترم قدرتك، وتصون مواردك، وتضبط رغباتك، ولا تجعل حياتك نسخة من حياة الآخرين. مدّ رجليك بقدر لحافك، ثم اعمل حتى يصبح لحافك أوسع؛ بالعلم لا بالادعاء، وبالعمل لا بالمظاهر، وبالإنتاج لا بالاستهلاك، وبالقناعة لا بالاستسلام. فالحياة الكريمة ليست أن نملك كل شيء، وإنما أن نعرف ما الذي يستحق أن نملكه، وما الذي لا يستحق أن نخسر أنفسنا من أجله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم