امل خضر تكتب: الأردن أمام لحظة الحقيقة

منذ 48 دقيقة
المشاهدات : 17273
امل خضر تكتب: الأردن أمام لحظة الحقيقة
أمل خضر

أمل خضر

التغيير الذي ينتظره الشارع ليس تبديل الوجوه بل تغيير قواعد اللعبة
في اللحظات السياسية الفارقة لا تكمن القضية في معرفة من سيأتي ومن سيغادر بل في معرفة ما إذا كان القادم سيكرر الطريقة نفسها التي أوصلت إلى المشكلات أم سيأتي بعقلية مختلفة تعيد تعريف المسؤولية والقرار والإنجاز من هنا يجب أن يُقرأ أي تعديل وزاري في الأردن اليوم فالشارع لم يعد يتعامل معه باعتباره تبديلًا للأسماء أو إعادة توزيع للحقائب بل باعتباره اختبارًا لجدية الدولة في الانتقال من إدارة المشكلات إلى تغيير طريقة إدارتها. المواطن الذي أثقلته كلفة الحياة وأقلقته البطالةوأرهقته صعوبة الوصول إلى فرصة عادلة لم يعد يبحث عن وجه جديد في الصورة بل عن أثر جديد في الواقع. السؤال الحقيقي لم يعد من سيأتي؟ بل ماذا سيتغير؟
فتغيير الأشخاص أسهل بكثير من تغيير القواعد. وقد تتبدل الأسماء خلال ساعات بينما يحتاج إصلاح طريقة الاختيار وصناعة القرار والمساءلة إلى إرادة سياسية حقيقيةوإلى شجاعة في مراجعة ما أنتجته السنوات الماضية بعيدًا عن المجاملة والخوف من الاعتراف بالخلل. فالدولة التي تغير المسؤول وتبقي القواعد التي يعمل داخلها كما هي لا تغير المشكلةإنها تغير اسم المسؤول عنها فقط. ولهذا فإن أي تعديل جاد يجب أن يبدأ من سؤال أعمق لماذا بقيت ملفات بعينها تنتقل من حكومة إلى أخرى؟ ولماذا لم تتحول الخطط إلى نتائج في بعض الملفات التي طال انتظارها؟ ومن يتحمل مسؤولية ما لم ينجح؟
والأردن لا يفتقر إلى الكفاءات. في المملكة خبرات واسعة في الاقتصاد والإدارة والقانون والطب والهندسة والأكاديميا والتكنولوجيا كما أن جيلًا جديدًا يمتلك أدوات مختلفة وقدرة على التعامل مع اقتصاد عالمي سريع التحول. وأردنيون في الخارج أثبتوا أنهم قادرون على إدارة مؤسسات ومشروعات في بيئات لا تمنح موقعًا إلا لمن يثبت كفاءته. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال هل لدينا من يستطيع؟ بل هل تملك الدولة الشجاعة الكافية لاختيار من يستطيع؟ فإصلاح الدولة لا يبدأ من الوزير بل من معيار اختياره ولا يبدأ من القرار النهائي بل من الطريقة التي يصل بها صاحب القرار إلى موقعه. المنصب العام ليس مكافأة والوزارة ليست جائزةوالكرسي ليس ملكية والنجاح لا يقاس بمدة البقاء في الموقع بل بما يتركه المسؤول من أثر بعد مغادرته. الدولة لا تحتاج إلى مسؤول يجيد البقاء بل إلى مسؤول يجيد الإنجاز.
ومن هنا تصبح المساءلة أوسع من محاسبة من يختلس المال العام أو يقبل الرشوة هناك خلل إداري صامت لا يقل كلفة يبدأ عندما تتقدم العلاقة على الكفاءةوعندما يتحول الموقع العام إلى مكافأة وعندما يستمر مسؤول في موقعه رغم عجزه عن تحقيق المطلوب أو تتحول المؤسسة إلى مساحة لحماية النفوذ بدل تطوير الأداء. قد لا يظهر هذا الخلل في ملف قضائي لكنه يظهر في مؤسسة لا تنجزوخدمة لا تتحسن وقرار يتأخرومشروع يتعثر وكفاءة تغادر ومواطن يفقد ثقته وهنا يصبح هدر المال العام أوسع من الأموال التي تضيع فهو يشمل الوقت والفرص والطاقات التي تُهدر عندما يتأخر القرار أو تغيب الكفاءة لذلك يجب أن تستعيد الوظيفة العامة معناها الحقيقي تكليف مؤقت ومسؤولية قابلة للمساءلةلا امتيازًا مفتوح المدة.
والمواطن هو الحكم النهائي على كل ذلك قد يصبر على صعوبة الظروف لكنه يصعب عليه أن يتقبل أن بعض ما يواجهه يمكن تجنبه بإدارة أفضل وقرار أسرع ومساءلة أكثر جديةولهذا يصبح الاقتصاد مسألة ثقة بقدر ما هو مسألة أرقام فالتحديث السياسي والاقتصادي والإداري لن يكتسب معناه من كثرة الاستراتيجيات والبرامج، بل من أثره في حياة الناس. المواطن لا يعيش داخل الرؤية بل داخل الخدمةوالفرصةوالقرار وكفاءة المؤسسة وإذا كان التحديث جادًا فيجب أن يظهر في سرعة القرار وجودة الخدمة، وعدالة الفرص، وقدرة الحكومة على تنفيذ ما تعلن عنه أما الوزيرفلا ينبغي أن يدخل مكتبه بحقيبة وصلاحيات فقط بل بمهمة محددة يمكن قياسها ماذا سيغير؟ ماذا سيعالج؟ ومتى تظهر النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا لم تتحقق؟
وفي المجال العام الجديد حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي لا يصح التعامل مع كل نقد باعتباره تهديدًاكما لا يصح تحويل المنصات إلى بديل عن المؤسسات. نعم، هناك شائعات ومبالغات لكن هناك أيضًا قلق حقيقي وأسئلة حقيقية تتكرر لأنها لم تجد إجابات مقنعة. الدولة الواثقة لا تخاف السؤال بل تجيب عنه ولا تواجه الشائعة بالصمت بل بالمعلومة ولا تواجه الخلل بالإنكار، بل بالإصلاح. أفضل دفاع عن الدولة ليس خطابًا طويلًابل أداء يجعل المواطن أقل حاجة إلى الشكوى.
والأردن لا يحتاج إلى إنكار ما تحقق حتى يثبت أنه يريد الإصلاح هناك مؤسسات وطنية راسخة وخبرات متراكمةومسارات إصلاح يمكن البناء عليها، لكن البناء لا يعني حماية كل ما هو قائم لمجرد أنه قائم. الدولة التي تريد أن تتقدم يجب أن تكون قادرة على التمييز بين ما يستحق الاستمرار وما يحتاج إلى تغيير وبين المسؤول الذي ينجح فيستحق الدعم، والمسؤول الذي يفشل فيحتاج إلى المساءلة أو الاستبدال فالاعتراف بالفشل ليس ضعفًا الإصرار عليه هو الضعف الحقيقي وهنا تظهر الكلفة السياسية للإصلاح. فالإصلاح الجاد قد يعني تغيير أشخاص وكسر عادات ورفض مطالب أصحاب نفوذ واختيار شخص أكثر كفاءة على حساب شخص أكثر قربًاومراجعة قرار سابق ومحاسبة مسؤول لم يحقق المطلوب. أما الإصلاح الذي لا يزعج أحدًا ولا يمس مواقع النفوذ ولا يغير معايير الاختيار ولا ينتج عنه مسؤول يتحمل نتيجة فشله فقد لا يكون إصلاحًا بقدر ما هو إعادة ترتيب مريحة للمشهد. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي تعديل وزاري ليس فقط من سيأتي؟ بل ما الذي سيُسمح له بأن يغيره؟ وهل ستكون لديه الأدوات والقدرة والدعم السياسي لتنفيذ ما هو مطلوب منه؟ لأن الوزير مهما بلغت كفاءته لا يستطيع تغيير منظومة لا تسمح بالتغيير.
بعد انتهاء الحديث عن الأسماء والحقائب سيبدأ الامتحان الحقيقي. عندها لن يكون مهمًا عدد الوجوه الجديدة بل عدد الملفات التي حُسمت والقرارات التي اتُخذت والإجراءات التي أصبحت أسهل والخدمات التي تحسنت، والفرص التي ظهرت والمسؤولين الذين تحملوا نتائج قراراتهم هذه الأسئلة لن تجيب عنها البيانات ولا الصور ولا المؤتمرات النتائج وحدها ستجيب الأردن اليوم أمام فرصة لا ينبغي أن تضيع في تفاصيل التعديل. المطلوب ليس هدم المؤسسات ولا إعادة اختراع الدولةبل جعلها أكثر قدرة على العمل وقرارها أكثر سرعة وإدارتها أكثر كفاءة ومساءلتها أكثر جدية. فالاستقرار الحقيقي لا يعني أن تبقى الأشياء كما هي بل أن تكون الدولة قادرة على إصلاح نفسها دون أن تفقد تماسكها.
الحكومات تتغيروالوزراء يغادرون والحقائب تنتقل لكن الدولة تبقى. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لأي تعديل وزاري لن تقاس بعدد الوجوه الجديدة بل بقدرته على تغيير قواعد العمل طريقة اختيار المسؤول وصناعة القرار، وإدارة المؤسسات وقياس النتائج وممارسة المساءلة. الأردن لا يحتاج إلى حكومة جديدة في الصورة بقدر ما يحتاج إلى حكومة مختلفة في طريقة العمل. لا يحتاج إلى وعود تمنحه مهلة أخرى للانتظاربل إلى قرارات تجعل الانتظار أقصر. ولا يحتاج إلى مسؤول يحافظ على موقعه، بل إلى مسؤول يترك أثرًا. ولا يحتاج إلى أن يسمع أن الإصلاح قادم بل إلى أن يرى الإصلاح في الخدمة والفرصة والقرار والعدالة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطةلكنها حاسمة الكفاءة قبل العلاقة والنتيجة قبل الخطاب والمسؤولية قبل الامتياز والمصلحة العامة قبل النفوذ. فإذا تحولت هذه القاعدة من شعار إلى ممارسة، يكون التغيير قد بدأ فعلًا. أما إذا تغيرت الأسماء وبقيت طريقة الاختيار كما هي والإدارة كما هي، والمساءلة كما هي فلن نكون أمام تغيير حقيقي بل أمام إعادة تدوير للمشهد.
وهنا تكمن لحظة الحقيقة التي يقف أمامها الأردن هل نريد تغيير الوجوه أم تغيير قواعد اللعبة؟ هل نريد حكومة تبدو مختلفة أم حكومة تعمل بطريقة مختلفة؟ وهل يبقى الإصلاح عنوانًا سياسيًا أم يتحول إلى ممارسة يشعر بها المواطن في خدمته وفرصته ومستقبله؟ الحكومة عابرة والوزير عابر والكرسي مؤقت أما الدولة فباقية. ولذلك فإن التعديل الذي يستحق أن يُسمى تغييرًا هو الذي يترك وراءه مؤسسات أقوى وقرارًا أكثر كفاءة ومساءلة أكثر جدية وثقة أكبر بين الدولة والمواطن. عندها فقط لا يكون التعديل مجرد تعديل بل بداية حقيقية لتغيير قواعد اللعبة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم