د. دانييلا القرعان تكتب: حين يصبح التعديل الوزاري موسمًا للإشاعات

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 24310
د. دانييلا القرعان تكتب: حين يصبح التعديل الوزاري موسمًا للإشاعات
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

في الأردن، يبدو أن هناك موعداً غير مكتوب يسبق كل تعديل وزاري، موعد لا تحدده الحكومة ولا يصدر بشأنه بلاغ رسمي، لكنه يتكرر حتى يصبح أشبه بعادة سياسية وإعلامية؛ موسم الإشاعة، فما إن يبدأ الحديث عن احتمال إجراء تعديل وزاري، حتى تبدأ بورصة الأسماء بالارتفاع والانخفاض، ويصبح لكل وزير سعر افتراضي في سوق التكهنات، هذا باقٍ، هذا مغادر، هذا سيُستبدل، ذاك سيعود، وآخر يجري الحديث عن نقله من حقيبة إلى أخرى، حتى إن بعض الأسماء تتكرر في كل تعديل تقريباً، كأنها أصبحت جزءاً ثابتاً من ديكور أي إشاعة حكومية.

اللافت أن بعض هذه التوقعات لا تكتفي بالقول إن تعديلاً سيجري بل تذهب أبعد من ذلك فتقدم أحياناً أسماء الوزراء الجدد، وتوزيع الحقائب، وربما موعد إعلان التعديل، وكأن صاحب المعلومة كان يجلس في الغرفة التي صُنعت فيها التشكيلة الوزارية!

هنا يصبح السؤال من أين تأتي كل هذه المعلومات مع أن الحقيقة أن جزءاً كبيراً مما يُتداول لا يعدو كونه تخميناً سياسياً، أو قراءة شخصية، أو نقلاً عن «مصدر مطلع» لا نعرف من هو، أو معلومة ناقصة جرى تضخيمها أثناء تداولها، أو رغبة من بعض الأشخاص في اختبار ردود الفعل على اسم معين.

الأخطر من ذلك أن الإشاعة حين تتكرر كثيراً تبدأ باكتساب صفة الحقيقة في أذهان الناس. فيقال إن فلاناً سيغادر، فيسأل الناس: لماذا سيغادر؟ ثم يصبح السؤال: متى سيغادر؟ ثم يتحول الأمر إلى من سيخلفه؟ وفي النهاية قد يصدر التعديل، فيبحث الناس عن الأسماء التي أصابت، وينسون عشرات الأسماء التي قيل إنها قادمة ولم تأتِ! هذا بالضبط ما يجعل ظاهرة «التنجيم الوزاري» بحاجة إلى وقفة فالتعديل الوزاري في الأصل ليس مسابقة لتوقع الأسماء، ولا لعبة حظ، ولا امتحاناً لقدرة الأشخاص على قراءة الغيب السياسي، إنه قرار دستوري وسياسي في غاية الأهمية، له علاقة بتقييم أداء الحكومة ووزرائها، والأولويات التي تريد الدولة دفعها في مرحلة معينة، وحاجات المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الفريق الوزاري على تنفيذ البرامج والسياسات.

من الطبيعي أن يتابع المواطن أداء الوزراء، وأن يسأل عن إمكانية التغيير، ويناقش أداء الحكومة، وأن يطرح أسماء يراها مناسبة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوقع إلى «خبر»، والرأي إلى «معلومة»، والتخمين إلى «تسريب»، ثم يتعامل الناس معه على أنه حقيقة مؤكدة. وهنا تتحمل وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مسؤولية كبيرة، ليس كل ما يصل إلى هاتف الصحفي خبراً، وكل ما يقوله شخص يدعي معرفته بالمطبخ السياسي يستحق النشر، وكل اسم يتردد في مجلس سياسي مرشحاً فعلياً لدخول الحكومة بل إن بعض الذين يطلقون هذه الأسماء قد تكون لهم أهداف مختلفة تماماً: قد يريد أحدهم اختبار شعبية شخصية معينة، وقد يريد آخر إحراج وزير، ويسعى ثالث إلى تقديم نفسه باعتباره «مطلعاً» على القرار، وقد يكون الأمر كله مجرد اجتهاد شخصي لا أكثر، فالأردنيون بطبيعتهم مهتمون بالشأن السياسي، لذلك تجد الإشاعة الوزارية بيئة خصبة للانتشار، اسم وزير جديد كفيل بإشعال عشرات النقاشات ومن سيغادر؟ من سيبقى؟ من سيعود؟ ومن سيكون الوزير الأقوى؟ ومن سيحمل الحقيبة الاقتصادي ومن سيحمل الحقيبة السياسية؟ وما إن تنتشر القائمة حتى يبدأ المواطنون في تقييم حكومة لم تولد بعد! وهذا أمر طريف في ظاهره، لكنه خطير في جوهره. لأن الوزير الذي يُقال إنه سيغادر قد يكون ما زال يؤدي عمله بصورة طبيعية، وقد يقرأ موظفو وزارته الإشاعة، وقد تصل إلى المستثمرين والمتعاملين مع الوزارة، وقد تؤثر في صورة الاستقرار الإداري، بينما الوزير الذي يُقال إنه قادم قد يجد نفسه فجأة في مواجهة اتصالات وطلبات ومهنئين قبل أن يعرف هو نفسه شيئاً عن الموضوع! والأغرب أن بعض «القوائم الوزارية» التي تنتشر قبيل التعديلات تكون طويلة إلى درجة أن عدد المرشحين للمغادرة أو الدخول يكفي أحياناً لتشكيل أكثر من حكومة! وهنا لا بد من التفريق بين التحليل السياسي والإشاعة السياسية.

وفي المقابل، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله الحكومة، كلما ارتفعت حدة الشائعات، أن تكون المعلومات الرسمية هي المصدر الأوضح والأسرع، وأن لا تترك فراغاً معلوماتياً كبيراً تسمح الإشاعة بملئه،
أما المواطن، فعليه أن يتذكر قاعدة بسيطة: ما لم يصدر رسمياً، يبقى احتمالاً، مهما كان مصدره، ومهما بدا صاحبه واثقاً من نفسه. فالتعديل الوزاري في الأردن لا يصنعه التواصل الاجتماعي، ولا مجموعات الواتساب، ولا «المصادر المطلعة»، ولا بورصة الأسماء، وعندما يصدر القرار، يعرف الأردنيون الوزراء الجدد من الإرادة الملكية السامية، لا من قوائم التوقعات، وقبل ذلك كل ما نسمعه ليس أكثر من كلام سياسي، قد يصيب أحياناً، وقد يخطئ كثيراً، لكن المشكلة أن الذين يصيبون مرة واحدة، ينسوننا عشرات المرات التي أخطأوا فيها! لذلك، ربما حان الوقت أن نتوقف عن التعامل مع كل موسم تعديل وزاري باعتباره موسماً للتنجيم السياسي، وأن نعيد النقاش إلى السؤال الأهم: ليس من سيغادر ومن سيأتي… بل ماذا نريد من الحكومة، وماذا نريد من كل وزير، وماذا أنجز، وماذا بقي عليه أن ينجز؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم