في بلدٍ يكاد عدد خبرائه الاقتصاديين على وسائل التواصل الاجتماعي يفوق عدد العاملين في الاقتصاد نفسه، وعدد منظّري الإصلاح الإداري يتجاوز عدد الإداريين، وعدد المرشحين للوزارة يفوق عدد الوزارات المتاحة، بات من الضروري التفكير بحل مؤسسي لهذه الظاهرة الوطنية المتجذرة، ومن هنا جاءت الفكرة العبقرية بتأسيس "جمعية المستوزرين الجدد"؛ جمعية أهلية غير ربحية، وغير حزبية، وغير ممولة من أي جهة، هدفها الوحيد تنظيم الطاقات الوزارية المعطّلة التي تزخر بها البلاد.
فمنذ سنوات طويلة، والأردنيون يستيقظون وينامون على سيلٍ لا ينقطع من البرامج الاقتصادية الجاهزة، والخطط التنموية المذهلة، ووصفات القضاء على البطالة والفقر والمديونية خلال أشهر معدودة، يقدمها أشخاص لم يحالفهم الحظ بعد في الوصول إلى مقاعد صنع القرار، بعضهم يحل أزمة المياه في منشور، ويعالج المديونية في تغريدة، ويعيد هيكلة الاقتصاد الوطني في مقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقة الواحدة.
ولأن الوطن لا يجوز أن يخسر هذه الثروة الفكرية الهائلة، فإن الجمعية المزمع تأسيسها ستوفر منصة حضارية تجمع هؤلاء المستوزرين تحت سقف واحد، ليعرض كل منهم رؤيته وبرنامجه، وليُسمع صوته إلى أصحاب القرار وإلى الرأي العام الأردني، علّه يجد الطريق إلى الموقع الذي يعتقد أنه خُلق له منذ سنوات طويلة.
ومن أهم شروط الانتساب أن يحدد كل مستوزر الوزارة التي يرى نفسه قادراً على إدارتها، فلا يعقل أن يتقدم شخص صباحاً لحقيبة المالية، ثم يتحول مساءً إلى خبير في التربية والتعليم، وفي اليوم التالي إلى مرشح مثالي لوزارة الطاقة أو الزراعة، المطلوب وضوح في الطموح، وانسجام بين البرنامج المعلن واختصاص الوزارة المستهدفة، حتى يتمكن المواطن من تقييم الكفاءة قبل تقييم الحماسة.
أما التمويل، فسيكون وطنياً خالصاً، إذ سيدفع كل مستوزر رسم انتساب رمزي مقداره مئة دينار دعماً لمسيرة الإصلاح الوزاري، على أن يتعهد، في حال نجحت الجمعية في إيصاله إلى الكرسي المنشود، بدفع ألف دينار "حلوان الوزارة" تقديراً للجهود الجبارة التي بذلتها الجمعية في تحقيق حلمه التاريخي.
ولأن العدالة تقتضي المساواة بين الأجيال، فقد تقرر فتح باب العضوية أيضاً أمام الوزراء السابقين الذين ما زالوا يشعرون بأعراض "حُمّى الاستيزار" بين الحين والآخر، أو الذين يستيقظون فجأة عند كل تعديل وزاري وهم يتفقدون هواتفهم بانتظار المكالمة المنتظرة، هؤلاء مرحب بهم بكل محبة واحترام، لكن برسوم اشتراك خاصة مقدارها خمسمئة دينار، وحلوان وزارة يبلغ خمسة آلاف دينار، باعتبار أن خبرتهم السابقة تضيف قيمة استثمارية أكبر للجمعية.
ورغم الطابع الساخر للفكرة، إلا أن خلفها سؤالاً جدياً يستحق التأمل: لماذا أصبح لدينا هذا العدد الهائل من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يملكون الحلول السحرية لكل أزمات الدولة؟ ولماذا تتكرر الوجوه نفسها في مواقع المسؤولية بينما تتسع دائرة المتفرجين والناقدين والطامحين؟ وهل المشكلة حقاً في غياب الكفاءات، أم في آليات الاختيار، أم في بيئة إدارية وسياسية تجعل المنصب هدفاً بحد ذاته بدلاً من أن يكون وسيلة لخدمة الناس؟
لقد أثبتت السنوات أن الوطن لا يعاني نقصاً في أصحاب الأفكار، بل ربما يعاني فائضاً منهم، وما ينقصنا ليس المزيد من الخطط المكتوبة والمنشورات الرنانة، وإنما القدرة على تحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والإنجاز بالنتائج.
أما جمعية المستوزرين الجدد، فإنها وحتى إشعار آخر، تبقى مجرد فكرة قد تبدو ساخرة، لكنها ربما تكون أقل غرابة من كثير من الظواهر التي نعيشها، وأكثر صدقاً من كثير من الشعارات التي نسمعها كل يوم.
فمنذ سنوات طويلة، والأردنيون يستيقظون وينامون على سيلٍ لا ينقطع من البرامج الاقتصادية الجاهزة، والخطط التنموية المذهلة، ووصفات القضاء على البطالة والفقر والمديونية خلال أشهر معدودة، يقدمها أشخاص لم يحالفهم الحظ بعد في الوصول إلى مقاعد صنع القرار، بعضهم يحل أزمة المياه في منشور، ويعالج المديونية في تغريدة، ويعيد هيكلة الاقتصاد الوطني في مقطع فيديو لا يتجاوز الدقيقة الواحدة.
ولأن الوطن لا يجوز أن يخسر هذه الثروة الفكرية الهائلة، فإن الجمعية المزمع تأسيسها ستوفر منصة حضارية تجمع هؤلاء المستوزرين تحت سقف واحد، ليعرض كل منهم رؤيته وبرنامجه، وليُسمع صوته إلى أصحاب القرار وإلى الرأي العام الأردني، علّه يجد الطريق إلى الموقع الذي يعتقد أنه خُلق له منذ سنوات طويلة.
ومن أهم شروط الانتساب أن يحدد كل مستوزر الوزارة التي يرى نفسه قادراً على إدارتها، فلا يعقل أن يتقدم شخص صباحاً لحقيبة المالية، ثم يتحول مساءً إلى خبير في التربية والتعليم، وفي اليوم التالي إلى مرشح مثالي لوزارة الطاقة أو الزراعة، المطلوب وضوح في الطموح، وانسجام بين البرنامج المعلن واختصاص الوزارة المستهدفة، حتى يتمكن المواطن من تقييم الكفاءة قبل تقييم الحماسة.
أما التمويل، فسيكون وطنياً خالصاً، إذ سيدفع كل مستوزر رسم انتساب رمزي مقداره مئة دينار دعماً لمسيرة الإصلاح الوزاري، على أن يتعهد، في حال نجحت الجمعية في إيصاله إلى الكرسي المنشود، بدفع ألف دينار "حلوان الوزارة" تقديراً للجهود الجبارة التي بذلتها الجمعية في تحقيق حلمه التاريخي.
ولأن العدالة تقتضي المساواة بين الأجيال، فقد تقرر فتح باب العضوية أيضاً أمام الوزراء السابقين الذين ما زالوا يشعرون بأعراض "حُمّى الاستيزار" بين الحين والآخر، أو الذين يستيقظون فجأة عند كل تعديل وزاري وهم يتفقدون هواتفهم بانتظار المكالمة المنتظرة، هؤلاء مرحب بهم بكل محبة واحترام، لكن برسوم اشتراك خاصة مقدارها خمسمئة دينار، وحلوان وزارة يبلغ خمسة آلاف دينار، باعتبار أن خبرتهم السابقة تضيف قيمة استثمارية أكبر للجمعية.
ورغم الطابع الساخر للفكرة، إلا أن خلفها سؤالاً جدياً يستحق التأمل: لماذا أصبح لدينا هذا العدد الهائل من الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يملكون الحلول السحرية لكل أزمات الدولة؟ ولماذا تتكرر الوجوه نفسها في مواقع المسؤولية بينما تتسع دائرة المتفرجين والناقدين والطامحين؟ وهل المشكلة حقاً في غياب الكفاءات، أم في آليات الاختيار، أم في بيئة إدارية وسياسية تجعل المنصب هدفاً بحد ذاته بدلاً من أن يكون وسيلة لخدمة الناس؟
لقد أثبتت السنوات أن الوطن لا يعاني نقصاً في أصحاب الأفكار، بل ربما يعاني فائضاً منهم، وما ينقصنا ليس المزيد من الخطط المكتوبة والمنشورات الرنانة، وإنما القدرة على تحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والإنجاز بالنتائج.
أما جمعية المستوزرين الجدد، فإنها وحتى إشعار آخر، تبقى مجرد فكرة قد تبدو ساخرة، لكنها ربما تكون أقل غرابة من كثير من الظواهر التي نعيشها، وأكثر صدقاً من كثير من الشعارات التي نسمعها كل يوم.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات