في كل تعديل وزاري، تتجه الأنظار إلى أبواب الدوار الرابع، وتبدأ التكهنات حول الأسماء التي ستغادر، وتلك التي ستدخل، وكأن القضية في كثير من الأحيان لا تتجاوز تبديل المقاعد وتغيير الوجوه.
لكن الأردن اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
دولة الرئيس كفى تغيير الكراسي، نريد تغيير الأداء.
فالتعديل الوزاري المرتقب يأتي في لحظة مفصلية من عمر الدولة الأردنية؛ لحظة لا تحتمل المجاملة، ولا تحتمل تدوير الأسماء، ولا استبدال الوجوه بالوجوه، بينما تبقى الأدوات ذاتها والأساليب ذاتها والنتائج ذاتها.
فالشارع الأردني لم يعد ينتظر وزيراً جديداً يجلس خلف مكتب قديم، وإنما ينتظر عقلاً جديداً في الإدارة، وروحاً جديدة في العمل، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
لقد أرهقت المواطن الحكومات التي تتحدث كثيراً وتنجز قليلاً، وأتعبته البيانات التي تُكتب بحبر كثيف، ثم تتبخر عند أول اختبار على أرض الواقع. فالمواطن في الطفيلة ومعان والكرك وإربد، وفي البادية والمخيمات والقرى والأطراف، لا يسأل عن اسم الوزير ولا عن سيرته بقدر ما يسأل سؤالاً بسيطاً تختصر فيه كل الحكاية: ماذا أنجزت لي؟ وهنا تكمن جوهر المسألة.
التعديل الوزاري الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد عملية حسابية لاستبدال وزير بوزير، وإنما يجب أن يكون إعادة ضبط لبوصلة الأداء الحكومي؛ فالأردن لا يحتاج إلى حكومة تتحرك عقاربها على الورق، بل إلى حكومة تتحرك عجلاتها على الأرض.
دولة الرئيس، المطلوب اليوم أن تكون الكفاءة قبل الولاء، وأن يكون الإنجاز هو المعيار الأول في اختيار الوزراء. نريد وزراء أثبتوا قدرتهم في الميدان، لا في المناسبات، وأثبتوا أنهم قادرون على اتخاذ القرار، لا مجرد توقيعه، وعلى معالجة المشكلات، لا إعادة صياغة أسبابها في تقارير رسمية.
فالوزارة ليست وجاهة، والكرسي ليس غاية، والمنصب العام ليس مكافأة؛ وإنما مسؤولية ثقيلة، من يجلس على كرسيها عليه أن يعرف أن وراء ذلك الكرسي وطناً بأكمله ينتظر منه أن يعمل.
ونريد وزراء قريبين من الناس؛ فالمسؤول الذي لا يرى المواطن إلا من خلال شاشة أو تقرير، قد يعرف الأرقام، لكنه لن يعرف دائماً وجع الناس.
نريد وزيراً ينزل إلى الشارع، يزور المحافظات، يستمع إلى المواطن دون حواجز، ويعرف أن المشكلة التي تبدو صغيرة في تقرير قد تكون بالنسبة لعائلة أردنية جداراً عالياً يقف بينها وبين حقها في حياة أفضل.
نريد مسؤولاً يسمع قبل أن يتحدث، ويرى قبل أن يقرر، ويقترب قبل أن يحكم.
كما أن الحكومة لا يمكن أن تنجح إذا عمل كل وزير وكأنه جزيرة منفصلة عن بقية الجزر.
الأردن يحتاج إلى فريق متجانس، يتحرك وفق رؤية واحدة، ويعرف أن نجاح وزير هو نجاح للحكومة، وأن تعثر وزير ينعكس على الجميع.
فالعمل الحكومي ليس سباقاً على الأضواء، وإنما رحلة جماعية نحو هدف واحد؛ وكلما اتسقت الخطوات، أصبح الوصول أسرع، وكلما تنافرت، ضاع الطريق بين كثرة الاتجاهات.
وفي الوقت ذاته، آن الأوان لأن تحصل الكفاءات الشابة على فرصتها الحقيقية.
ففي الأردن عقول شابة تمتلك العلم والطاقة والجرأة والقدرة على الابتكار، لكنها تحتاج إلى من يفتح لها الباب، لا أن تبقى تنتظر طويلاً في ممرات الوظيفة العامة.
وضخ الدماء الجديدة لا يعني إقصاء الخبرات، بل يعني مزج حكمة التجربة بطاقة الشباب، وصناعة فريق قادر على التعامل مع تحديات دولة تتغير احتياجاتها بسرعة.
ولعل أهم ما نحتاجه اليوم هو إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها عظيمة الأثر: الأبواب المفتوحة للمواطن.
نريد وزراء مكاتبهم مفتوحة، وهواتفهم متاحة، ومنصاتهم الرسمية ليست مجرد مساحة للصور والبيانات، وإنما جسور حقيقية بين المسؤول والمواطن.
نريد مسؤولاً يسمع شكوى المواطن، ويتابعها، ويبحث عن حلها، لا أن تتحول الشكوى إلى رحلة شاقة من مكتب إلى مكتب، ومن موظف إلى آخر، حتى يفقد صاحبها الأمل قبل أن يجد الإجابة.
فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن شكواه لا تسقط في بئر الصمت، وأن المسؤول يرى فيه مواطناً له حق، لا رقماً في دفتر معاملات، فإن الثقة تبدأ بالعودة.
والثقة، دولة الرئيس، ليست قراراً إدارياً؛ إنها شعور يُبنى بالمواقف، ويكبر بالإنجاز، ويمكن أن ينهار حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل.
دولة الرئيس جعفر حسان، إنكم أمام فرصة تتجاوز حدود التعديل الوزاري نفسه. إنها فرصة لإعادة تعريف معنى التعديل في ذهن المواطن الأردني؛ من مجرد تغيير أسماء إلى تغيير نهج، ومن تبديل مواقع إلى تبديل أداء، ومن تدوير للكراسي إلى تدوير حقيقي لعجلة الإنجاز.
الأردن لا ينقصه الرجال والنساء القادرون على العمل، ولا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه العقول التي تستطيع أن تصنع الفارق. ما يحتاجه هو أن توضع الكفاءة في مكانها الصحيح، وأن يُمنح القادر فرصة، وأن يُحاسب المقصر، وأن يشعر المواطن بأن الدولة تسمعه قبل أن يرفع صوته.
فالدولة القوية ليست التي تكثر فيها المكاتب المغلقة، بل التي تتسع فيها أبواب المسؤولين.
وليست الحكومة الناجحة هي التي تبدو جميلة في الصور، بل التي يلمس المواطن أثرها في الشارع والمدرسة والمستشفى والجامعة وفرصة العمل والمعاملة الحكومية.
دولة الرئيس.. الناس لا تنتظر أسماءً جديدة بقدر ما تنتظر نتائج جديدة ، والقرار بين أيديكم.
فإما أن يكون التعديل القادم صفحة أخرى في دفتر التغيير الشكلي، وإما أن يكون نقطة تحول تقول للمواطن الأردني إن الإصلاح ليس شعاراً، وإن الدولة قادرة على تجديد أدواتها حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
الأردن قوي بقيادته الهاشمية، وبمؤسساته، وبشعبه الذي أثبت على الدوام أنه قادر على الصبر حين يرى الأمل، وعلى تحمل الصعاب حين يثق بأن هناك من يعمل من أجله.
والتاريخ لا يتوقف كثيراً عند من جلس على الكرسي، بقدر ما يتذكر ماذا فعل وهو جالس عليه.
لذلك، دولة الرئيس، غيّروا الأداء قبل الكراسي، وافتحوا الأبواب قبل الملفات، واجعلوا المواطن محور الحكومة لا هامشها.
فهذا هو التعديل الذي ينتظره الناس، وهذا هو الإصلاح الذي يمكن أن يُرى بالعين، لا أن يبقى حبراً على ورق.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم حاتم القرعان
لكن الأردن اليوم يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
دولة الرئيس كفى تغيير الكراسي، نريد تغيير الأداء.
فالتعديل الوزاري المرتقب يأتي في لحظة مفصلية من عمر الدولة الأردنية؛ لحظة لا تحتمل المجاملة، ولا تحتمل تدوير الأسماء، ولا استبدال الوجوه بالوجوه، بينما تبقى الأدوات ذاتها والأساليب ذاتها والنتائج ذاتها.
فالشارع الأردني لم يعد ينتظر وزيراً جديداً يجلس خلف مكتب قديم، وإنما ينتظر عقلاً جديداً في الإدارة، وروحاً جديدة في العمل، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
لقد أرهقت المواطن الحكومات التي تتحدث كثيراً وتنجز قليلاً، وأتعبته البيانات التي تُكتب بحبر كثيف، ثم تتبخر عند أول اختبار على أرض الواقع. فالمواطن في الطفيلة ومعان والكرك وإربد، وفي البادية والمخيمات والقرى والأطراف، لا يسأل عن اسم الوزير ولا عن سيرته بقدر ما يسأل سؤالاً بسيطاً تختصر فيه كل الحكاية: ماذا أنجزت لي؟ وهنا تكمن جوهر المسألة.
التعديل الوزاري الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد عملية حسابية لاستبدال وزير بوزير، وإنما يجب أن يكون إعادة ضبط لبوصلة الأداء الحكومي؛ فالأردن لا يحتاج إلى حكومة تتحرك عقاربها على الورق، بل إلى حكومة تتحرك عجلاتها على الأرض.
دولة الرئيس، المطلوب اليوم أن تكون الكفاءة قبل الولاء، وأن يكون الإنجاز هو المعيار الأول في اختيار الوزراء. نريد وزراء أثبتوا قدرتهم في الميدان، لا في المناسبات، وأثبتوا أنهم قادرون على اتخاذ القرار، لا مجرد توقيعه، وعلى معالجة المشكلات، لا إعادة صياغة أسبابها في تقارير رسمية.
فالوزارة ليست وجاهة، والكرسي ليس غاية، والمنصب العام ليس مكافأة؛ وإنما مسؤولية ثقيلة، من يجلس على كرسيها عليه أن يعرف أن وراء ذلك الكرسي وطناً بأكمله ينتظر منه أن يعمل.
ونريد وزراء قريبين من الناس؛ فالمسؤول الذي لا يرى المواطن إلا من خلال شاشة أو تقرير، قد يعرف الأرقام، لكنه لن يعرف دائماً وجع الناس.
نريد وزيراً ينزل إلى الشارع، يزور المحافظات، يستمع إلى المواطن دون حواجز، ويعرف أن المشكلة التي تبدو صغيرة في تقرير قد تكون بالنسبة لعائلة أردنية جداراً عالياً يقف بينها وبين حقها في حياة أفضل.
نريد مسؤولاً يسمع قبل أن يتحدث، ويرى قبل أن يقرر، ويقترب قبل أن يحكم.
كما أن الحكومة لا يمكن أن تنجح إذا عمل كل وزير وكأنه جزيرة منفصلة عن بقية الجزر.
الأردن يحتاج إلى فريق متجانس، يتحرك وفق رؤية واحدة، ويعرف أن نجاح وزير هو نجاح للحكومة، وأن تعثر وزير ينعكس على الجميع.
فالعمل الحكومي ليس سباقاً على الأضواء، وإنما رحلة جماعية نحو هدف واحد؛ وكلما اتسقت الخطوات، أصبح الوصول أسرع، وكلما تنافرت، ضاع الطريق بين كثرة الاتجاهات.
وفي الوقت ذاته، آن الأوان لأن تحصل الكفاءات الشابة على فرصتها الحقيقية.
ففي الأردن عقول شابة تمتلك العلم والطاقة والجرأة والقدرة على الابتكار، لكنها تحتاج إلى من يفتح لها الباب، لا أن تبقى تنتظر طويلاً في ممرات الوظيفة العامة.
وضخ الدماء الجديدة لا يعني إقصاء الخبرات، بل يعني مزج حكمة التجربة بطاقة الشباب، وصناعة فريق قادر على التعامل مع تحديات دولة تتغير احتياجاتها بسرعة.
ولعل أهم ما نحتاجه اليوم هو إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة لكنها عظيمة الأثر: الأبواب المفتوحة للمواطن.
نريد وزراء مكاتبهم مفتوحة، وهواتفهم متاحة، ومنصاتهم الرسمية ليست مجرد مساحة للصور والبيانات، وإنما جسور حقيقية بين المسؤول والمواطن.
نريد مسؤولاً يسمع شكوى المواطن، ويتابعها، ويبحث عن حلها، لا أن تتحول الشكوى إلى رحلة شاقة من مكتب إلى مكتب، ومن موظف إلى آخر، حتى يفقد صاحبها الأمل قبل أن يجد الإجابة.
فحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن شكواه لا تسقط في بئر الصمت، وأن المسؤول يرى فيه مواطناً له حق، لا رقماً في دفتر معاملات، فإن الثقة تبدأ بالعودة.
والثقة، دولة الرئيس، ليست قراراً إدارياً؛ إنها شعور يُبنى بالمواقف، ويكبر بالإنجاز، ويمكن أن ينهار حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل.
دولة الرئيس جعفر حسان، إنكم أمام فرصة تتجاوز حدود التعديل الوزاري نفسه. إنها فرصة لإعادة تعريف معنى التعديل في ذهن المواطن الأردني؛ من مجرد تغيير أسماء إلى تغيير نهج، ومن تبديل مواقع إلى تبديل أداء، ومن تدوير للكراسي إلى تدوير حقيقي لعجلة الإنجاز.
الأردن لا ينقصه الرجال والنساء القادرون على العمل، ولا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه العقول التي تستطيع أن تصنع الفارق. ما يحتاجه هو أن توضع الكفاءة في مكانها الصحيح، وأن يُمنح القادر فرصة، وأن يُحاسب المقصر، وأن يشعر المواطن بأن الدولة تسمعه قبل أن يرفع صوته.
فالدولة القوية ليست التي تكثر فيها المكاتب المغلقة، بل التي تتسع فيها أبواب المسؤولين.
وليست الحكومة الناجحة هي التي تبدو جميلة في الصور، بل التي يلمس المواطن أثرها في الشارع والمدرسة والمستشفى والجامعة وفرصة العمل والمعاملة الحكومية.
دولة الرئيس.. الناس لا تنتظر أسماءً جديدة بقدر ما تنتظر نتائج جديدة ، والقرار بين أيديكم.
فإما أن يكون التعديل القادم صفحة أخرى في دفتر التغيير الشكلي، وإما أن يكون نقطة تحول تقول للمواطن الأردني إن الإصلاح ليس شعاراً، وإن الدولة قادرة على تجديد أدواتها حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.
الأردن قوي بقيادته الهاشمية، وبمؤسساته، وبشعبه الذي أثبت على الدوام أنه قادر على الصبر حين يرى الأمل، وعلى تحمل الصعاب حين يثق بأن هناك من يعمل من أجله.
والتاريخ لا يتوقف كثيراً عند من جلس على الكرسي، بقدر ما يتذكر ماذا فعل وهو جالس عليه.
لذلك، دولة الرئيس، غيّروا الأداء قبل الكراسي، وافتحوا الأبواب قبل الملفات، واجعلوا المواطن محور الحكومة لا هامشها.
فهذا هو التعديل الذي ينتظره الناس، وهذا هو الإصلاح الذي يمكن أن يُرى بالعين، لا أن يبقى حبراً على ورق.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم حاتم القرعان
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات