م.صلاح طه عبيدات يكتب: الردع الشامل وعقيدة الصمود: نحو استراتيجية أردنية متكاملة لمواجهة التحديات المصيرية

منذ 51 دقيقة
المشاهدات : 8670
م.صلاح طه عبيدات يكتب: الردع الشامل وعقيدة الصمود: نحو استراتيجية أردنية متكاملة لمواجهة التحديات المصيرية
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

في ظلال الإقليم المشتعل والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم تعد مفاهيم الأمن القومي تقتصر على حدود الرادارات والتحصينات العسكرية التقليدية، بل غدت منظومة متكاملة تتداخل فيها القوة العسكرية الضاربة بالتماسك المجتمعي، والسيادة التكنولوجية بالمخزون الاستراتيجي. إن قراءة المشهد الإقليمي ومواجهة العقائد التوسعية تتطلبان الانتقال من أطر الدفاع التقليدي إلى مفهوم "الردع الشامل"، الذي يضمن حماية الدولة وصون أمنها القومي عبر جدار صلب يتشكل من أربعة أركان أساسية.
أولاً: العقيدة الدفاعية والردع النوعي
تأتي في مقدمة هذه الاستراتيجية صياغة عقيدة دفاعية متطورة للقوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي). لا يقف الردع عند حدود الجاهزية العسكرية، بل يتعداه إلى امتلاك "ميزة نوعية" تجعل أي مساس بالحدود الوطنية مكلفاً للعدو على كافة المستويات. إن اعتماد استراتيجية الدفاع في العمق، وإتقان أساليب الحروب غير المماثلة، وتطوير الدفاع الجوي والحرب السيبرانية، تضمن جميعها امتصاص الصدمات الأولى وتحويل أي اعتداء إلى معركة استنزاف طويلة ومكلفة للطرف الآخر.
ثانياً: الجبهة الداخلية... الرهان والأصل
إذا كانت القوات المسلحة هي الدرع والسيف، فإن الجبهة الشعبية الداخلية هي الأرض الصلبة التي يقف عليها هذا الدرع. يُشكل الوعي الجمعي والتلاحم الشعبي خط الدفاع الأول ضد الحروب النفسية واستراتيجيات التفكيك. إن بناء جبهة داخلية متماسكة يمر عبر تعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية، وإرساء العدالة الاجتماعية، وترسيخ الفهم العميق لطبيعة الصراع والتحديات الإقليمية، مما يحول المجتمع إلى حاضنة صلبة لقرارات الدولة المصيرية.
ثالثاً: السيادة التكنولوجية والتصنيع العسكري الهجومي
لم تعد التكنولوجيا العسكرية اليوم خياراً كمالياً، بل أضحت شرطاً أساسياً لاستقلالية القرار السياسي والعسكري. إن تحويل مفهوم التصنيع الدفاعي من مجرد الصيانة والخدمات اللوجستية إلى التصنيع الهجومي المتطور يُعد نقطة التحول الاستراتيجية.
الأنظمة غير المأهولة: تطوير المسيرات الانتحارية والاستطلاعية بإنتاج محلي يوفر قدرات ضرب دقيقة وبكلفة اقتصادية مقتدرة.
الأسلحة الموجهة والذكاء الاصطناعي: بناء القدرات الذاتية في مجال الصواريخ الموجهة وتقنيات السيبران الهجومي يكسر التفوق التقني للخصم ويربك حساباته ميدانياً.
الاستقلالية والاستدامة: يضمن التصنيع المحلي (عبر مؤسسات مثل المركز الأردني للتصميم والتطوير JODDB وبالشراكة مع العقول الوطنية) تدفق الذخائر والسلاح دون خضوع لضغوط حظر السلاح أثناء الأزمات.
رابعاً: البنية التحتية واستدامة الحياة في أوقات الأزمات
لا يمكن لجيش أن يقاتل، ولا لجبهة داخلية أن تصمد، دون بنية تحتية مرنة ومحصنة. تشمل متطلبات الأمان في ظروف الحرب:
الأمن الغذائي والمائي: تأمين مخزونات استراتيجية طويلة الأمد من السلع الأساسية والمياه عبر شبكات تخزين وتحلية مستدامة ومحمية.
استقلالية الطاقة والصحة: تنويع مصادر المشتقات النفطية والكهرباء، مع تعزيز المخزون الدوائي والطبي.
حماية المنشآت الحيوية: تحصين شبكات الاتصالات، ومحطات الطاقة، والسدود ضد الهجمات المادية والسيبرانية، وتفعيل منظومات الدفاع المدني والطوارئ.
إن مواجهة التحديات المصيرية والعقائد التوسعية لا تتم بالأماني، بل بالجاهزية الصلبة وبناء شبكة أمان متكاملة تتضافر فيها الدبلوماسية العميقة، والتصنيع التكنولوجي المتطور، والوعي الشعبي الراسخ. إن استراتيجية الردع الشامل هي الضمانة الوحيدة لحفظ سيادة الوطن، وثبيت حقوقه، وإحباط أية مخططات تستهدف جغرافيته أو ديمغرافيته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم