الصلاحين يكتب: من يؤذي الناس بالأكاذيب .. يبتليه الله بالحقائق

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 14320
  الصلاحين يكتب: من يؤذي الناس بالأكاذيب ..  يبتليه الله بالحقائق
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

من يؤذي الناس بالأكاذيب... يبتليه الله بالحقائق بقلم: الدكتور علي الصلاحين ليست الحقيقة هي أول ما يُهزم في المجتمعات، بل الثقة. فحين تصبح الكلمة أداة للتشويه، والإشاعة وسيلة لتصفية الحسابات، والكذب طريقًا إلى الشهرة أو الانتقام، يبدأ النسيج الاجتماعي بالتآكل من الداخل، حتى وإن بدا من الخارج متماسكًا. وما أكثر المجتمعات التي لم تهدمها الحروب بقدر ما هدمتها الأكاذيب التي فرقت بين القلوب، وزرعت الريبة بين الناس، وأطفأت نور الثقة الذي لا تستقيم الحياة بدونه. والكذب ليس مجرد انحراف في القول، بل خلل في الضمير. فالإنسان الذي يختلق التهم، أو ينقل الأخبار دون تثبت، أو يفرح بتشويه سمعة الآخرين، لا يعتدي على فرد بعينه، وإنما يعتدي على قيمة الصدق التي يقوم عليها العمران الإنساني. ولذلك لم يكن الإسلام حين شدد في تحريم البهتان يدافع عن أفراد بقدر ما كان يحمي المجتمع كله من الانهيار الأخلاقي. ومن سنن الله التي تتكرر في الحياة أن الجزاء كثيرًا ما يأتي من جنس العمل. فمن جعل الكذب سلاحًا لإيذاء الناس، ابتلاه الله بيوم تصبح فيه الحقيقة خصمه، وربما جاءته من حيث لم يحتسب. وكم رأينا من أشخاص بنوا صورتهم على تشويه غيرهم، ثم لم تلبث الأيام أن كشفت حقيقتهم أمام الناس، لأن الباطل قد ينجح في تضليل العيون زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يغير سنن الله في كشف الحقائق. ولذلك جاء القرآن الكريم ليضع حدًا فاصلاً بين الاختلاف المشروع والاعتداء المحرم، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فالآية لا تتحدث عن إساءة عابرة، وإنما عن جريمة أخلاقية واجتماعية ودينية، لأن الكذب حين يتحول إلى وسيلة لإيذاء الأبرياء يصبح اعتداءً على كرامة الإنسان التي جعلها الله مصونة. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم سلامة الناس من اللسان علامة على اكتمال الإيمان، فقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فاللسان أخطر من كثير من الأسلحة؛ إذ قد يقتل السمعة، ويهدم الأسرة، ويقطع الرحم، ويزرع الأحقاد، ثم ينسحب صاحبه وهو يظن أنه لم يفعل شيئًا يُذكر. إن أخطر ما في الكذب أنه يتغذى على غياب الضمير، لكنه يعيش على تصديق الجمهور. ولهذا كان القرآن يأمر بالتثبت قبل إصدار الأحكام، لأن المجتمعات التي تتداول الاتهامات بلا بينة، وتستسهل تصديق الإشاعات، تتحول تدريجيًا إلى بيئات يفقد فيها الأبرياء شعورهم بالأمان، ويصبح الدفاع عن النفس أصعب من توجيه الاتهام. وقد دخلنا اليوم عصرًا لم تعد فيه الأكاذيب تحتاج إلى مجالس أو أسواق؛ يكفي هاتف صغير حتى تنتشر إلى آلاف الناس خلال دقائق. بضغطة زر قد تُهدم سمعة إنسان، أو تُزرع الكراهية بين أسرتين، أو يُحاكم بريء في محكمة الرأي العام قبل أن يسمع أحد روايته. وهنا تتضاعف المسؤولية؛ لأن سرعة انتشار الخبر لا تمنحه صفة الحقيقة، وكثرة المتداولين له لا تجعله صدقًا. ومن المفارقات أن كثيرًا ممن يتعجلون في نشر الأخبار يطالبون بالعدل إذا وقع الظلم عليهم، وينسون أنهم حرموا غيرهم من هذا العدل نفسه. فالعدل لا يتجزأ، ومن رضي لنفسه أن يكون قاضيًا بلا بينة، فسيأتي يوم يتمنى فيه من يتحقق قبل أن يحكم عليه. وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة بأبلغ صورة حين أخبر عن المفلس الذي يأتي يوم القيامة محملًا بالعبادات، لكنه يجدها تتساقط واحدة بعد أخرى؛ لأنه آذى الناس، وقذفهم، وظلمهم، وانتهك حقوقهم. إنها رسالة تؤكد أن حقوق العباد ليست قضية هامشية في الإسلام، بل هي من أعظم ما يُسأل عنه الإنسان بين يدي ربه. ومع ذلك، فإن الإسلام لا يزرع في المظلوم روح الانتقام، بل يزرع فيه الثقة بعدل الله. فالأنبياء أنفسهم تعرضوا للتكذيب والافتراء، ومع ذلك لم يواجهوا الباطل بباطل مثله، وإنما واجهوه بالصبر والثبات، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج بقدر حاجتها إلى زمن يكشفها. إن المجتمعات لا تُقاس بما تمتلكه من أبراج أو تقنيات، وإنما بما تمتلكه من صدق وأمانة واحترام لكرامة الإنسان. فإذا أصبحت الأكاذيب وسيلة للترقي، والتشهير بابًا للشهرة، والتلاعب بالحقائق مهارة اجتماعية، فإن الخسارة لا تقع على الضحية وحدها، بل تمتد إلى الضمير الجمعي للأمة كلها. ولهذا فإن أول إصلاح يحتاجه الإنسان ليس إصلاح لسانه فحسب، بل إصلاح قلبه؛ لأن اللسان لا ينطق إلا بما يفيض به القلب. فإذا امتلأ القلب إيمانًا وعدلًا ورحمةً، خرجت الكلمة طيبة، وإذا امتلأ حقدًا وحسدًا وكبرًا، خرجت جارحة ولو تجملت بأفصح العبارات. ويبقى الحق، مهما طال غيابه، أقوى من الباطل. وقد ينتفخ الباطل ساعة، لكنه لا يملك أسباب البقاء، لأن الله تكفل بأن يجعل للحق نورًا يكشفه، وللباطل نهاية تفضحه. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. فطوبى لمن لقي الله ولسانه طاهر من البهتان، وقلبه سليم من الغل، وصحيفته خالية من ظلم العباد. فالكلمة أمانة، والسمعة أمانة، والإنسان أمانة، وما عند الله لا يُنال إلا بصدق اللسان، ونقاء القلب، وعدل الموقف.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم