د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: النطيحة والمتردية !

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13275
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: النطيحة والمتردية !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

حين تختل الموازين، لا يكون الخطر في قلة الرجال، بل في سوء الاختيار. وحين تضطرب البوصلة، لا يتقدم أصحاب المشروع بالضرورة، وإنما قد يتصدر المشهد من يجيدون الضجيج أكثر من البناء، ومن يحسنون الهدم أكثر من الإصلاح.
إن الأولوية المطلقة الآن ليس في إدارة الأزمات بل استباقها قبل أن تحصل وتحويلها لفرص نمو وإلى بيئة منضبطة قدر الإمكان ليستمر تصاعد وتيرة العمل في الأزمات.

ولهذا، فإن عبارة "النطيحة والمتردية" هنا ليست وصفًا لأشخاص، وإنما استعارة لحالةٍ تصبح فيها المعايير مقلوبة، فتُمنح المنابر لمن لم يصنعوا تاريخًا، وتُسند الأدوار لمن لم يحملوا مسؤولية، ويُصبح توزيع صكوك الوطنية أسهل من تقديم موقفٍ وطني واحد حين كانت الأوطان في أمسّ الحاجة إليه.

لقد مرّ العالم العربي بمحطات قاسية، سقطت فيها دول، وتفككت مؤسسات، وضاعت أجيال بين شعارات براقة وواقع أكثر مرارة. وعندها اتضح أن الفرق بين رجل الدولة ورجل المنبر، هو أن الأول يحسب عواقب كل خطوة، بينما لا يرى الثاني إلا التصفيق الآني.

أما الأردن، فقد اختار طريقًا مختلفًا؛ طريق الدولة التي تُصلح نفسها بنفسها، وتحافظ على مؤسساتها، وتستند إلى وعي شعبها، وتلتف حول قيادتها الهاشمية، مدركة أن الإصلاح الحقيقي لا يُولد من الفوضى، وأن قوة الدولة لا تعني غياب النقد، بل تعني أن يكون النقد جسرًا للإصلاح لا معولًا للهدم.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اختلاف الآراء، وإنما انقلاب المعايير؛ حين يصبح صاحب الموقف متهمًا، وصاحب الضجيج بطلاً، وصاحب التجربة مهمشًا، وصاحب المغامرة خبيرًا، وصاحب الرؤية متأخرًا، بينما يتصدر المشهد من لم يقدموا للدولة إلا الكلام.

والأوطان لا تُقاس بما يقال عنها في لحظات الانفعال، وإنما بما يبقى منها بعد أن تهدأ العاصفة. والتاريخ، بطبيعته، لا يوزع الجوائز على أصحاب الشعارات، بل يمنح احترامه لمن حافظوا على الدولة، وصانوا مؤسساتها، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

ولهذا، فإن الأمم العاقلة لا تبحث عن أكثر الأصوات ارتفاعًا، بل عن أكثر العقول اتزانًا، ولا تُسلِّم مستقبلها لمن يجيدون صناعة الأزمات، بل لمن يجيدون استباقها قبل إدارتها. فالدولة ليست منصةً للخطابة، بل مسؤولية، والوطن ليس ميدانًا للمزايدة، بل أمانة.

ويبقى الدرس الأكبر أن النطيحة والمتردية ليست أسماء أشخاص، بل حالةٌ تصيب المجتمعات عندما تختل الموازين، ويصبح الضجيج معيارًا، وتُهمَّش الكفاءة، وتغيب الحكمة. أما حين تستقيم المعايير، فإن الدولة تستعيد عافيتها، ويعود لكل صاحب فضلٍ فضله، ولكل صاحب مسؤوليةٍ مكانه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم