يقف الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، حيث تتشكل ملامح اتفاق يهدف إلى نزع السلاح والانسحاب التدريجي من قطاع غزة، وتسليم إدارته للجنة وطنية مستقلة. هذا التحول لا يمثل مجرد هدنة مؤقتة، بل هو انتقال معقد من ويلات الصراع العسكري إلى تحديات الحوكمة وإعادة البناء والتعافي. وفي خضم هذا المشهد الدقيق، تتجلى الرؤية الأردنية الاستباقية التي طالما حذرت من الفراغ السياسي وتمسكت بالحلول المستدامة.
لقد شكلت الثوابت الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، درعاً واقياً طوال أشهر الأزمة. كان الرفض القاطع لأي مخططات تهجير أو تصفية للقضية الفلسطينية بمثابة بوصلة للتحرك الدبلوماسي الأردني. واليوم، مع بدء تنفيذ الاتفاق وتشكيل قوة استقرار دولية، يقطف الأردن والإقليم ثمار هذا الثبات الاستراتيجي الذي صان الهوية الفلسطينية للأرض وضمن استمرارية المؤسسات.
إن التحدي الأبرز في المرحلة القادمة يتجاوز الجانب الأمني ليشمل "التعافي المؤسسي"، أي جاهزية الإدارة المدنية الجديدة في غزة لتولي زمام الشأن العام. يتطلب انتقال مهام الحكم المدني إلى لجنة وطنية مستقلة جهداً مكثفاً في مجالات الإدارة العامة، وبناء الهياكل التنظيمية، وترسيخ معايير الحوكمة والشفافية. الهدف هو ضمان تقديم الخدمات الأساسية وإدارة الموارد البشرية بكفاءة وعدالة. فغزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إصلاح شامل لمنظومتها الإدارية والمؤسسية لتلبية احتياجات مواطنيها.
هنا، يبرز الدور الأردني المحوري كشريك أساسي في هذا التحول. يمتلك الأردن خبرة عريقة ورصيداً متراكماً في التطوير المؤسسي، والحوكمة، وإدارة الأزمات. هذه الخبرات تؤهل المملكة لقيادة جهود الدعم الفني والاستشاري لتمكين الإدارة المدنية الجديدة في غزة، وتأهيل كوادرها، ونقل أفضل الممارسات في الإدارة العامة والسياسات. هذا يضمن بناء مؤسسات وطنية فلسطينية قادرة على الصمود وخدمة شعبها.
بالتوازي مع البناء المؤسسي، سيبقى الأردن الداعم الأقوى لبناء القدرات الأمنية للشرطة الفلسطينية، لتمكينها من فرض سيادة القانون والعمل بتناغم مع آليات الرقابة وقوة الاستقرار الدولية، بما يحول دون الانزلاق مجدداً نحو الفوضى.
إن المرحلة القادمة تتطلب حكمة سياسية ومرونة استراتيجية. الأردن، الذي كان دوماً سنداً لفلسطين وصوتها في المحافل الدولية، مستعد اليوم ليكون شريكاً فاعلاً في هندسة مرحلة التعافي. إن استقرار غزة هو مصلحة وطنية أردنية عليا، والانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التمكين المؤسسي والإداري هو السبيل الوحيد لضمان حماية اجتماعية مستدامة للأشقاء، وخطوة حقيقية نحو إنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.
القضاه يكتب: غزة ما بعد الحرب: الدور الأردني بين حماية الأمن القومي وإعادة البناء المؤسسي
منذ 1 شهر
المشاهدات :
117423
د.عبدالله محمد القضاه
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
03
05
آخر الأخبار
مقالات منوعة
الدعجة يكتب :تجرأتم على مكة .. فاستعدوا للرد السعودي
منذ 10 ساعات
مقالات منوعة
جو حطاب عمل شغله… إنتوا شو خطتكم بعد جو حطاب؟
منذ 14 ساعة
مقالات منوعة
محيلان يكتب: ستاد البتراء .. افضل أرضية! وأصغر مدرجات!
منذ 23 ساعة
مقالات منوعة
محيلان يكتب: الدوري يبدأ .. بعد الانتقالات الشتوية، فهل يفعلها الغزاة؟
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
امل خضر تكتب: سيدي صاحب الجلالة ماذا نشكو؟
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
قصة زواج تبدأ في المهرجان الدولي للشباب
منذ 6 ساعات
فن
95 عاما من سحر العرائس .. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي عالميا
منذ 6 ساعات
فن
الفنان المصري سامح حسين يدخل العناية المركزة
منذ 6 ساعات
فن
حجز الفنان سامح حسين في الرعاية المركزة بأحد المستشفيات بعد أزمة صحية
منذ 8 ساعات
فن
طرح البوستر الرسمي لمسلسل منى زكي «طالع نازل»
منذ 9 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
زينيت ينتزع فوزا ثمينا من ملعب بالتيكا ويرتقي للمركز الثالث في الدوري الروسي
منذ 6 ساعات
رياضة
برشلونة يكتسح سانتاندير بسباعية ويتربع على قمة الدوري الإسباني
منذ 6 ساعات
رياضة
لماذا امتنع مبابي وفينيسيوس عن إظهار رسالة التضامن مع سبتة؟
منذ 6 ساعات
رياضة
بلاغ رسمي ضد زوجة حسن شحاتة الثانية بتهمة الاستيلاء على ممتلكاته
منذ 8 ساعات
رياضة
الفيصلي يتعثر أمام الريان القطري في مستهل مشواره الآسيوي
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
نتيجة مفاجئة تثير تساؤلات جديدة حول ظاهرة "الخروج من الجسد" الجدلية
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
في حالة نادرة .. أطباء يستأصلون "ذيلا صغيرا" نما لدى طفل
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
ماسك يحدد "السبيل الوحيد" لجعل جميع سكان الأرض "أثرياء"
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
تحديد هوية قـ.ـاتل عم الفنان حمدي الميرغني .. أسرار وكواليس كمين «زيزو» قبل إطلاق النـ.ـار
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
لا قصر ولا فندق فاخراً .. أين تنام والدة إيلون ماسك عندما تزوره؟
منذ 11 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات