ليس أخطر على الإدارة العامة مِن قرار خاطئ، إلّا قرارٌ يُتخذ اليوم بحماسة، ثم يجري التراجع عنه غداً مِن دون تفسير مقنع لكيفية اتخاذه ابتداءً، ومِن دون تحديد المسؤولية عن آثاره، أو حتى تحديد مَن اتخذه ومساءلته. فما شهدناه في ملف الإجازات دون راتب لموظفي القطاع العام لا ينبغي التعامل معه بوصفه تعديلاً إجرائياً عابراً، بل باعتباره مثالاً واضحاً على اضطراب صناعة القرار، وغياب الرؤيا المستقرة لإدارة الموارد البشرية في الدولة.
فقد جاء نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام وتعديلاته السابقة ليضع قيوداً مشددة على الإجازة دون راتب، ويضيّق نطاق الاستفادة منها، ويضع آلاف الموظفين، ولا سيما العاملين خارج المملكة، أمام خيارات محدودة تتصل بوظائفهم ومستقبلهم المهني واستقرار أسرهم. ثم عاد مجلس الوزراء الموقر ليوافق على الأسباب الموجبة لمشروع نظام معدل، يعيد المرونة إلى هذه الإجازات بصورة واسعة.
المشكلة ليست في التعديل الجديد بحد ذاته، بل في السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فُرضت القيود السابقة أصلاً إذا كان مِن الممكن، بعد مدة وجيزة، اكتشاف أن المرونة أكثر ملاءمة للموظف والدولة معاً؟ وهل خضعت الأحكام السابقة لدراسة حقيقية لأثرها الاقتصادي والاجتماعي والإداري قبل إقرارها؟ وهل جرى الاستماع إلى الموظفين والوزارات والنقابات والخبراء والمغتربين قبل وضع آلاف الأسر أمام حالة مِن عدم اليقين؟ وما البيانات الجديدة التي ظهرت اليوم ولم تكن متاحة بالأمس؟
حين يُشدَّد الحُكْمُ ثم يُخفَّف، ويُغلق الباب ثم يُعاد فتحه، لا يعود الأمر مجرد “مرونة تشريعية” بل يصبح مؤشراً على أنّ القرارات تُتخذ أحياناً ارتجالا وقبل اكتمال دراستها، وأنّ الواقع هو الذي يكشف عيوبها بعد أنْ يكون المواطن قد دفع ثمن التجربة. وعلى ما يبدو، فإن متخذي القرارات في القطاع العام تغيب عن أذهانهم حقيقة أنّ الإدارة العامة ليست مختبراً لاختبار الأفكار على حياة الناس؛ وأنّ التشريع ليس مسودة قابلة للمحو وإعادة الكتابة كلما ظهرت اعتراضات أو تبين أنّ التطبيق أصعب مما تصوره واضعو النصوص. فالمواطن في نهاية المطاف ليس مضطرا أنْ يبني قراراته الشخصية والمهنية على تصريحات مؤقتة، بل على أنظمة يُفترض أنْ تتسم بالوضوح والاستقرار وقابلية التنبؤ.
إنّ عدم الاستقرار التشريعي لا يعني كثرة التعديلات فحسب، بل يعني غياب فلسفة ثابتة تحكم هذه التعديلات: ما هي رؤيا الدولة للإجازة دون راتب؟ هل تعدها عبئاً يجب تقليصه، أم أداة مرنة لإدارة الموارد البشرية، أم وسيلة للحفاظ على الكفاءات الأردنية المرتبطة بأسواق العمل الخارجية؟ ولا يجوز أنْ تتغير الإجابة عن هذا السؤال بتغير التعديل؛ لأنها يجب أن تصدر عن استراتيجية وطنية مستقرة، لا عن معالجة متأخرة لمشكلة كان يمكن توقعها وتجنُّبها منذ البداية.
القول إنّ التعديل الجديد، وبغض النظر عن ايجابيته أو سلبيته، جاء بعد دراسة الملف لا يلغي السؤال، بل يجعله أكثر إلحاحاً: أين كانت هذه الدراسة عند وضع القيود السابقة؟ وإذا أثبت التطبيق أنّ تلك القيود لم تكن مناسبة، فمِن واجب الحكومة أنْ تقدم للرأي العام تقييماً واضحاً لما حدث؛ لا بقصد جلد الذات، بل لمنع تكرار الخطأ. فالاعتراف بوجود خلل في تصميم السياسة أكثر احتراماً للدولة والمواطن مِن تغليف التراجع بلغة الإنجاز وكأن القرار السابق لم يكن موجوداً.
المشكلة الأعمق أنّ بعض القرارات الحكومية تُصاغ بمنطق إداري ضيق يركز على ضبط النص، لا على فهم حياة الإنسان الذي سيخضع له. فقد يُنظر إلى الموظف المجاز دون راتب بوصفه رقماً غائباً عن جدول التشكيلات، بينما هو في الحقيقة مواطن اتخذ قراراً مصيرياً بناءً على قاعدة قانونية يفترض فيها الاستقرار. والإدارة الحديثة لا تقيس نجاح القرار بقدرته على إحكام السيطرة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق العاملين واستمرارية الخدمة العامة.
كان مِن الممكن منذ البداية بناء نظام متوازن يقوم على منح الإجازة وفق ضوابط واضحة، وإلزام الموظف بإشعار دائرته قبل العودة بمدة مناسبة، والسماح بتعبئة الشاغر أو توفير بديل، وربط الموافقة باحتياجات الدائرة وطبيعة الوظيفة. وهذا هو الاتجاه الذي يتبناه مشروع التعديل الجديد إلى حد كبير. وإذا كان هذا الحل ممكناً اليوم، فلماذا لم يكن ممكناً عند صياغة الأحكام السابقة؟
إنّ كثرة التراجع عن القرارات لا تُقدَّم دائماً دليلاً على الاستجابة والمرونة؛ فقد تكون، في بعض الحالات، دليلاً على ضعف الدراسة السابقة، وضيق دائرة المشاورات، وغياب التقييم المسبق للآثار. والمرونة الحقيقية لا تعني أنْ نتخذ القرار ثم ننتظر نتائجه السلبية كي نعدله، بل أنْ نبني منذ البداية قراراً قائماً على البيانات والسيناريوهات والمشاركة المؤسسية.
ما يحتاجه القطاع العام الأردني ليس مزيداً مِن النصوص المتلاحقة، بل استراتيجية وطنية واضحة لإدارة موارده البشرية، تحدد كيف تستقطب الدولة الكفاءات، وكيف تحافظ عليها، وكيف تتعامل مع الإعارات والإجازات والعمل خارج المملكة، وكيف تخطط للإحلال والتعاقب الوظيفي. كما يحتاج كل تعديل جوهري إلى دراسة أثر تشريعي مُعْلَنَة تجيب عن أسئلة محددة: مَن سيتأثر؟ وما الكلفة؟ وما المنافع؟ وما المخاطر؟ وما البدائل؟ وكيف سيجري تقييم النتائج بعد التطبيق؟
ومِن الضروري كذلك أنْ تسبق القرارات مشاورات حقيقية مع الموظفين والدوائر والخبراء، لا لقاءات شكلية تُعقد بعد اكتمال النص. فالعاملون في الميدان يعرفون مِن تفاصيل التطبيق ما قد لا يظهر على مكاتب واضعي الأنظمة. والدولة التي تستمع قبل أنْ تقرر توفر على نفسها كلفة التراجع، وتحمي الثقة العامة، وتنتج تشريعات أكثر واقعية واستقراراً.
التعديل الجديد قد يعالج جانباً مهماً مِن المشكلة، لكنه لا يمحو الطريقة المرتبكة التي أُدير بها الملف. ولا يكفي أنْ نعيد فتح الباب الذي أغلقناه؛ بل يجب أنْ نوضح لماذا أُغلق، ومَن قدّر آثاره، وما الذي تعلمناه مِن ذلك. فالحوكمة الرشيدة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بجودتها واستقرارها وقدرتها على الصمود أمام اختبار الواقع.
الموظف العام ليس حقل تجارب، وحياته المهنية والأسرية ليست تفصيلاً هامشياً في عملية التشريع. وما يطلبه ليس امتيازات بلا حدود، بل قواعد عادلة وواضحة ومستقرة يستطيع أن يبني عليها مستقبله. أما إدارة القطاع العام بمنطق الشد والتراخي، والمنع ثم السماح، والتقييد ثم العودة عنه، فإنها لا تنتج إصلاحاً؛ بل تنتج قلقاً مؤسسياً، وتضعف الثقة، وتكشف أنّ المشكلة لم تكن يوماً في الإجازة دون راتب وحدها، وإنما في غياب الرؤيا التي تسبق القرار. ومِن هنا، أدعو إلى إعادة دراسة نظام الموارد البشرية كاملا دراسة متأنية واعية مِن قِبل مجموعة مِن الخبراء مِمّن لهم باع طويل في القطاع العام في الأردن، ودون الالتفات إلى النصائح المقدمة من مستشارين لم يعملوا يوما واحدا في القطاع العام الأردني؛ فأهل مكة أدرى بشعابها، ولا يعرف الألم إلا مَن يكابده.
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
فقد جاء نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام وتعديلاته السابقة ليضع قيوداً مشددة على الإجازة دون راتب، ويضيّق نطاق الاستفادة منها، ويضع آلاف الموظفين، ولا سيما العاملين خارج المملكة، أمام خيارات محدودة تتصل بوظائفهم ومستقبلهم المهني واستقرار أسرهم. ثم عاد مجلس الوزراء الموقر ليوافق على الأسباب الموجبة لمشروع نظام معدل، يعيد المرونة إلى هذه الإجازات بصورة واسعة.
المشكلة ليست في التعديل الجديد بحد ذاته، بل في السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فُرضت القيود السابقة أصلاً إذا كان مِن الممكن، بعد مدة وجيزة، اكتشاف أن المرونة أكثر ملاءمة للموظف والدولة معاً؟ وهل خضعت الأحكام السابقة لدراسة حقيقية لأثرها الاقتصادي والاجتماعي والإداري قبل إقرارها؟ وهل جرى الاستماع إلى الموظفين والوزارات والنقابات والخبراء والمغتربين قبل وضع آلاف الأسر أمام حالة مِن عدم اليقين؟ وما البيانات الجديدة التي ظهرت اليوم ولم تكن متاحة بالأمس؟
حين يُشدَّد الحُكْمُ ثم يُخفَّف، ويُغلق الباب ثم يُعاد فتحه، لا يعود الأمر مجرد “مرونة تشريعية” بل يصبح مؤشراً على أنّ القرارات تُتخذ أحياناً ارتجالا وقبل اكتمال دراستها، وأنّ الواقع هو الذي يكشف عيوبها بعد أنْ يكون المواطن قد دفع ثمن التجربة. وعلى ما يبدو، فإن متخذي القرارات في القطاع العام تغيب عن أذهانهم حقيقة أنّ الإدارة العامة ليست مختبراً لاختبار الأفكار على حياة الناس؛ وأنّ التشريع ليس مسودة قابلة للمحو وإعادة الكتابة كلما ظهرت اعتراضات أو تبين أنّ التطبيق أصعب مما تصوره واضعو النصوص. فالمواطن في نهاية المطاف ليس مضطرا أنْ يبني قراراته الشخصية والمهنية على تصريحات مؤقتة، بل على أنظمة يُفترض أنْ تتسم بالوضوح والاستقرار وقابلية التنبؤ.
إنّ عدم الاستقرار التشريعي لا يعني كثرة التعديلات فحسب، بل يعني غياب فلسفة ثابتة تحكم هذه التعديلات: ما هي رؤيا الدولة للإجازة دون راتب؟ هل تعدها عبئاً يجب تقليصه، أم أداة مرنة لإدارة الموارد البشرية، أم وسيلة للحفاظ على الكفاءات الأردنية المرتبطة بأسواق العمل الخارجية؟ ولا يجوز أنْ تتغير الإجابة عن هذا السؤال بتغير التعديل؛ لأنها يجب أن تصدر عن استراتيجية وطنية مستقرة، لا عن معالجة متأخرة لمشكلة كان يمكن توقعها وتجنُّبها منذ البداية.
القول إنّ التعديل الجديد، وبغض النظر عن ايجابيته أو سلبيته، جاء بعد دراسة الملف لا يلغي السؤال، بل يجعله أكثر إلحاحاً: أين كانت هذه الدراسة عند وضع القيود السابقة؟ وإذا أثبت التطبيق أنّ تلك القيود لم تكن مناسبة، فمِن واجب الحكومة أنْ تقدم للرأي العام تقييماً واضحاً لما حدث؛ لا بقصد جلد الذات، بل لمنع تكرار الخطأ. فالاعتراف بوجود خلل في تصميم السياسة أكثر احتراماً للدولة والمواطن مِن تغليف التراجع بلغة الإنجاز وكأن القرار السابق لم يكن موجوداً.
المشكلة الأعمق أنّ بعض القرارات الحكومية تُصاغ بمنطق إداري ضيق يركز على ضبط النص، لا على فهم حياة الإنسان الذي سيخضع له. فقد يُنظر إلى الموظف المجاز دون راتب بوصفه رقماً غائباً عن جدول التشكيلات، بينما هو في الحقيقة مواطن اتخذ قراراً مصيرياً بناءً على قاعدة قانونية يفترض فيها الاستقرار. والإدارة الحديثة لا تقيس نجاح القرار بقدرته على إحكام السيطرة، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق العاملين واستمرارية الخدمة العامة.
كان مِن الممكن منذ البداية بناء نظام متوازن يقوم على منح الإجازة وفق ضوابط واضحة، وإلزام الموظف بإشعار دائرته قبل العودة بمدة مناسبة، والسماح بتعبئة الشاغر أو توفير بديل، وربط الموافقة باحتياجات الدائرة وطبيعة الوظيفة. وهذا هو الاتجاه الذي يتبناه مشروع التعديل الجديد إلى حد كبير. وإذا كان هذا الحل ممكناً اليوم، فلماذا لم يكن ممكناً عند صياغة الأحكام السابقة؟
إنّ كثرة التراجع عن القرارات لا تُقدَّم دائماً دليلاً على الاستجابة والمرونة؛ فقد تكون، في بعض الحالات، دليلاً على ضعف الدراسة السابقة، وضيق دائرة المشاورات، وغياب التقييم المسبق للآثار. والمرونة الحقيقية لا تعني أنْ نتخذ القرار ثم ننتظر نتائجه السلبية كي نعدله، بل أنْ نبني منذ البداية قراراً قائماً على البيانات والسيناريوهات والمشاركة المؤسسية.
ما يحتاجه القطاع العام الأردني ليس مزيداً مِن النصوص المتلاحقة، بل استراتيجية وطنية واضحة لإدارة موارده البشرية، تحدد كيف تستقطب الدولة الكفاءات، وكيف تحافظ عليها، وكيف تتعامل مع الإعارات والإجازات والعمل خارج المملكة، وكيف تخطط للإحلال والتعاقب الوظيفي. كما يحتاج كل تعديل جوهري إلى دراسة أثر تشريعي مُعْلَنَة تجيب عن أسئلة محددة: مَن سيتأثر؟ وما الكلفة؟ وما المنافع؟ وما المخاطر؟ وما البدائل؟ وكيف سيجري تقييم النتائج بعد التطبيق؟
ومِن الضروري كذلك أنْ تسبق القرارات مشاورات حقيقية مع الموظفين والدوائر والخبراء، لا لقاءات شكلية تُعقد بعد اكتمال النص. فالعاملون في الميدان يعرفون مِن تفاصيل التطبيق ما قد لا يظهر على مكاتب واضعي الأنظمة. والدولة التي تستمع قبل أنْ تقرر توفر على نفسها كلفة التراجع، وتحمي الثقة العامة، وتنتج تشريعات أكثر واقعية واستقراراً.
التعديل الجديد قد يعالج جانباً مهماً مِن المشكلة، لكنه لا يمحو الطريقة المرتبكة التي أُدير بها الملف. ولا يكفي أنْ نعيد فتح الباب الذي أغلقناه؛ بل يجب أنْ نوضح لماذا أُغلق، ومَن قدّر آثاره، وما الذي تعلمناه مِن ذلك. فالحوكمة الرشيدة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بجودتها واستقرارها وقدرتها على الصمود أمام اختبار الواقع.
الموظف العام ليس حقل تجارب، وحياته المهنية والأسرية ليست تفصيلاً هامشياً في عملية التشريع. وما يطلبه ليس امتيازات بلا حدود، بل قواعد عادلة وواضحة ومستقرة يستطيع أن يبني عليها مستقبله. أما إدارة القطاع العام بمنطق الشد والتراخي، والمنع ثم السماح، والتقييد ثم العودة عنه، فإنها لا تنتج إصلاحاً؛ بل تنتج قلقاً مؤسسياً، وتضعف الثقة، وتكشف أنّ المشكلة لم تكن يوماً في الإجازة دون راتب وحدها، وإنما في غياب الرؤيا التي تسبق القرار. ومِن هنا، أدعو إلى إعادة دراسة نظام الموارد البشرية كاملا دراسة متأنية واعية مِن قِبل مجموعة مِن الخبراء مِمّن لهم باع طويل في القطاع العام في الأردن، ودون الالتفات إلى النصائح المقدمة من مستشارين لم يعملوا يوما واحدا في القطاع العام الأردني؛ فأهل مكة أدرى بشعابها، ولا يعرف الألم إلا مَن يكابده.
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات