فيصل تايه يكتب: نظام تصنيف المدارس الخاصة ٢٠٢٦ : هل تحمي "الجودة" جيب المواطن أم تُشرعن رفع الأقساط؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 13772
فيصل تايه يكتب: نظام تصنيف المدارس الخاصة ٢٠٢٦ : هل تحمي "الجودة" جيب المواطن أم تُشرعن رفع الأقساط؟
فيصل تايه

فيصل تايه

تأتي موافقة مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع نظام تصنيف المؤسسات التعليمية (المدارس الخاصة) لسنة ٢٠٢٦ في سياق يتجاوز إصدار نظام جديد أو استحداث آلية لتقييم المدارس، إذ تعكس هذه الخطوة تحولاً نوعياً في فلسفة إدارة التعليم في الأردن، والانتقال من ثقافة الرقابة التقليدية إلى ثقافة الجودة المؤسسية، ومن الاكتفاء بقياس الالتزام بالإجراءات إلى قياس الأثر الحقيقي الذي تُحدثه المدرسة في تعلم الطالب، وفي بناء شخصيته، وفي جودة مخرجاتها التعليمية.

​لقد أصبح من الواضح أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأنظمة التعليمية اليوم لم يعد يتمثل في توفير مقعد دراسي لكل طالب، وإنما في ضمان جودة ما يتلقاه داخل ذلك المقعد؛ فالأنظمة التعليمية الحديثة لا تُقاس بعدد المدارس أو حجم الإنفاق عليها، وإنما بقدرتها على إنتاج إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والابتكار والتكيف مع عالم سريع التغير.

ومن هنا فإن أي مشروع يضع الجودة في صدارة أولويات التعليم هو مشروع يستحق أن يُقرأ بوصفه مشروعاً وطنياً للتنمية، لا مجرد تنظيم إداري لقطاع معين.

​إن القيمة الحقيقية لمشروع تصنيف المدارس الخاصة لا تكمن في تقسيم المدارس إلى فئات، بل في تأسيس مرجعية وطنية موحدة لمعنى الجودة؛ فالجودة في التعليم لا يجوز أن تبقى مفهوماً نسبياً يخضع للتسويق والانطباعات الشخصية، وإنما ينبغي أن تستند إلى معايير علمية واضحة ومؤشرات قابلة للقياس.

ولعل أكثر ما يميز هذا المشروع أنه يتبنى رؤية شمولية لجودة التعليم، فلا يحصرها في نتائج الامتحانات، بل ينظر إلى المدرسة باعتبارها منظومة متكاملة تضم البيئة المدرسية، والموارد البشرية، والقيادة والإدارة، والابتكار، والشراكة المجتمعية، وهي رؤية تنسجم مع أحدث الاتجاهات التربوية العالمية.

​وهذا الطرح الشمولي يعيد صياغة مفهوم التنافس بين المدارس الخاصة؛ فالمنافسة التي يحتاجها التعليم ليست منافسة في المظاهر أو المباني أو الحملات الإعلانية، وإنما منافسة في جودة التعليم، وفي كفاءة المعلم، وفي قدرة المدرسة على صناعة قيمة مضافة حقيقية لكل طالب.

وعندما يصبح الأداء الحقيقي هو معيار التميز، فإن المؤسسات التعليمية ستعيد ترتيب أولوياتها نحو الاستثمار في الإنسان قبل الحجر، وفي المعلم قبل المبنى، وفي المحتوى التعليمي قبل الصورة التسويقية.

​غير أن هذا التحول المأمول يضعنا مباشرة أمام التحدي الأبرز الذي يشغل أذهان الشارع اليوم وأولياء الأمور تحديداً، والمتمثل في السؤال الجوهري: هل سيتخذ البعض من هذا التصنيف ذريعة لرفع الأقساط المدرسية؟

​إن هذه النقطة تشكل المحك الحقيقي لنجاح النظام؛ إذ ينبغي لأصحاب القرار وضع ضوابط صارمة تربط أي تعديل مستقبلي في الأقساط بمؤشرات موضوعية، وفي مقدمتها معدلات التضخم الرسمية، وتمنع أن يصبح الحصول على تصنيف أعلى ذريعة للرفع التلقائي للأقساط. فالجودة حق تربوي وليست امتيازاً لمن يملك القدرة على الدفع، بل حق أصيل لكل طالب، ولا يجوز أن تتحول إلى عبء جديد على الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.

ومن هنا فإن نشر نتائج التصنيف يجب أن يرتبط بتعزيز الشفافية وضبط السقف المالي، وتكريس المساءلة المجتمعية التي تربط الثقة بالأداء، لا بالإنفاق المالي أو المظهر الخارجي.

​وامتداداً لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، يتوجب ألا تُبنى معايير التقييم على الإمكانيات المادية المسبقة للمؤسسة، ولا أن تنحاز شكلياً لصالح البرامج الدولية على حساب البرنامج الوطني، بل على "مبدأ القيمة المضافة" التي تقدمها المدرسة لطلبتها؛ فهناك مدارس قد لا تملك ملاعب نموذجية أو مسابح، لكنها تقدم تعليماً نوعياً رفيعاً وتصنع فارقاً حقيقياً في شخصية الطالب ومعرفته.

إن حصر المعايير بالشواهد المادية يُجحف بحق المدارس الصغيرة والمتميزة، ويُحوّل التقييم إلى انحياز غير عادل للمؤسسات المتموّلة على حساب الجودة التربوية الحقيقية.

​ولا يمكن للعدالة المرجوة أن تكتمل دون التوقف عند صانع الجودة الأول، وهو المعلم؛ إذ لا يعقل لمدارس تدّعي التميز أو تطمح للتصنيف في الفئات العليا أن تستنزف معلميها بأجور متدنية أو تهضم حقوقهم العمالية والاستقرار الوظيفي.

إن استقرار الكادر التعليمي، والتأهيل المستمر، والالتزام بالحد الأدنى للأجور وحقوق المعلم المهنية والأخلاقية يجب أن تكون مؤشرات رئيسية واشتراطات حاسمة لا تنازل عنها لمنح أي درجة تصنيف متقدمة لأي مؤسسة تعليمية.

​وفي الوقت ذاته، فإن نجاح النظام لا ينبغي أن يُقاس بعدد الفئات التي يمنحها للمدارس، وإنما بمدى قدرته على إحداث تغيير حقيقي في سلوك المؤسسات التعليمية؛ فالتصنيف ليس أداة للتشهير أو الإقصاء، بل هو مسار إصلاحي يقتضي منح المدارس ذات التقييم المنخفض مهلاً زمنية محددة وخطط دعم لبناء قدراتها وتصويب أوضاعها.

فالتقييم في الفكر التربوي الحديث هو وسيلة للتطوير، تحفز المدرسة على مراجعة ممارساتها، وتضمن إشراك أولياء الأمور عبر استبيانات قياس رضا دورية، وإتاحة قنوات تظلم مستقلة لضمان ألا تتحول اللجان إلى مجرد إجراءات شكلية أو بيروقراطية.

​ومن هنا، فإن نجاح هذا المشروع سيكون مرهوناً بمدى استقلالية واحترافية منظومة التقييم، ودقة المعايير، وكفاءة فرق التصنيف؛ فكلما ارتفعت مصداقية النظام، ازدادت ثقة المجتمع بنتائجه، وتحول التصنيف إلى أداة للتطوير، لا إلى مجرد شهادة تعلّق على جدار المدرسة.

​إن الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في مجرد تصنيف المدارس، بل في إعادة تعريف معنى "المدرسة المتميزة" في الأردن؛ فالتميز لم يعد يقاس بما تمتلكه المدرسة من إمكانات مادية، وإنما بما تصنعه من أثر تربوي وإنساني ومعرفي في طلبتها.

وعندما تصبح الجودة ثقافة مؤسسية راسخة، وليست مجرد متطلب تنظيمي، فإننا نكون قد وضعنا أحد أهم الأسس لبناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على إعداد أجيال تقود المستقبل وتستثمر في رأس المال البشري باعتباره الاستثمار الوطني الأكثر قيمة واستدامة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم