العدوان يكتب: اقتصاديات التذخير .. الأرقام التي ترسم ملامح الحروب القادمة

منذ 58 دقيقة
المشاهدات : 12031
العدوان يكتب: اقتصاديات التذخير ..  الأرقام التي ترسم ملامح الحروب القادمة
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

تكشف المؤشرات العالمية أن سباق التذخير لم يعد مجرد قرار عسكري، بل أصبح توجهًا اقتصاديًا واستراتيجيًا واسعًا. فقد تجاوز الإنفاق العسكري العالمي خلال السنوات الأخيرة حاجز التريليوني دولار سنويًا، مدفوعًا بتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، والحرب الروسية الأوكرانية، والاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط وآسيا.
وتبرز الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة أكبر إنفاق دفاعي عالمي، حيث وجهت مليارات الدولارات لتوسيع إنتاج الصواريخ والذخائر الدقيقة، وإعادة بناء مخزوناتها التي تعرضت لضغوط كبيرة نتيجة دعمها العسكري لحلفائها. كما تعمل الدول الأوروبية على رفع قدراتها الإنتاجية بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا أن المخزونات التقليدية التي كانت كافية في زمن السلم قد لا تصمد أمام حرب استنزاف طويلة.
وفي المقابل، اعتمدت روسيا على زيادة الإنتاج العسكري وتوسيع خطوط تصنيع القذائف والصواريخ، بينما تواصل الصين بناء قدراتها في مجال الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والأنظمة البحرية والجوية، ضمن رؤية ترتبط بمنافسة استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
وتشير التجارب الميدانية الحديثة إلى أن الصراع لم يعد بين منظومة هجومية وأخرى دفاعية فقط، بل أصبح صراعًا بين القدرة على الإنتاج والقدرة على الاستهلاك. فالدولة التي تستطيع تصنيع الذخائر بوتيرة أسرع من معدل استهلاكها في الحرب تمتلك ميزة استراتيجية قد تفوق أحيانًا امتلاكها لمنظومات قتالية أكثر تطورًا.
وفي الحرب الأمريكية الإيرانية، برزت هذه المعادلة بصورة واضحة، إذ شكلت الصواريخ والطائرات المسيّرة عنصرًا رئيسيًا في المواجهة، بينما أصبحت منظومات الدفاع الجوي مطالبة باستهلاك كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض. وهذا يطرح سؤالًا استراتيجيًا أمام جميع الجيوش: هل تستطيع منظومات الدفاع الحديثة مواجهة موجات متتالية من الهجمات إذا طال أمد الحرب؟
ولهذا السبب تتجه القوى العسكرية الكبرى إلى تطوير حلول جديدة، منها أنظمة الاعتراض منخفضة الكلفة، والأسلحة الموجهة بالطاقة، والذكاء الاصطناعي، بهدف تقليل الفارق بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع فاعتراض صاروخ عالي الكلفة بصاروخ دفاعي أغلى منه قد يصبح تحديًا اقتصاديًا في أي حرب طويلة.
إن التحول نحو اقتصاد التذخير يعيد تعريف مفهوم القوة الوطنية؛ فالصناعة العسكرية، والقدرة على تأمين المواد الأولية، والكوادر الهندسية، وسلاسل الإمداد، أصبحت جميعها مكونات أساسية للأمن القومي. ولذلك فإن الدول التي تهمل بناء قاعدة صناعية دفاعية مرنة قد تجد نفسها تعتمد على الخارج في لحظات تكون فيها الحاجة إلى القرار المستقل أكثر إلحاحًا.
ومن هنا، فإن مستقبل الحروب لن يتحدد فقط في ساحات القتال، بل داخل المصانع ومراكز البحث والتطوير والموانئ وشبكات الإمداد. فالمعركة الحديثة تبدأ قبل إطلاق النار، عندما تقرر الدول حجم مخزوناتها، وقدرتها على الإنتاج، واستعدادها لخوض صراع طويل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم