د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: سردية التحديث السياسي والاقتصادي: الاتجاه أهم من السرعة !

منذ 54 دقيقة
المشاهدات : 9156
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: سردية التحديث السياسي والاقتصادي: الاتجاه أهم من السرعة !
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ليست القضية اليوم أن نختلف حول أهمية التحديث السياسي أو التحديث الاقتصادي، فالدول الحديثة تحتاج إليهما معًا، وإنما السؤال الحقيقي: كيف تُدار دفة السفينة؟ وهل تسير مسارات التحديث وفق أولويات المجتمع وقدرته على استيعابها، أم أن بعض المسارات تسبق البيئة التي يفترض أن تحتضنها؟

الخطأ الذي تقع فيه كثير من مشاريع الإصلاح أنها تتعامل مع التحديث السياسي والاقتصادي كملفين منفصلين، بينما هما في الحقيقة منظومة واحدة؛ فأي تقدم في أحدهما دون الآخر قد يخلق فجوة بين ما يريده المواطن وما يلمسه في حياته اليومية.

القضية الأولى هي ترتيب الأولويات.

لا يستطيع أي مشروع سياسي أن يحقق أثرًا واسعًا إذا كانت الأسرة منشغلة بارتفاع كلفة المعيشة، أو البطالة، أو ضعف الدخل، أو البحث عن فرصة عمل. فالمواطن يقيس نجاح الدولة بما يراه في منزله قبل أن يقيسه بما يقرأه في النصوص والتشريعات.

لذلك، فإن التحديث الاقتصادي ليس ملفًا مكملاً للتحديث السياسي، بل هو البيئة التي تمنحه الاستقرار والقبول المجتمعي. وكل فرصة عمل جديدة، وكل مشروع إنتاجي، وكل استثمار ناجح، هو في الوقت ذاته مشروع للاستقرار الوطني، لأنه يقلل من الضغوط الاجتماعية ويعزز الثقة بالمستقبل.

القضية الثانية تتمثل في غياب اقتصاد المحافظات عن مركز عملية التحديث.

لا يكفي أن تتحسن المؤشرات الوطنية إذا بقيت المحافظات تنتظر دورها في التنمية. فلكل محافظة ميزاتها النسبية، ومواردها، وكفاءاتها البشرية، لكنها تحتاج إلى قرار اقتصادي ينقلها من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج.

وعندما تصبح المحافظات شريكًا في خلق الناتج المحلي، لا مجرد متلقية للإنفاق العام، فإن الدولة لا تحقق نموًا اقتصاديًا فحسب، بل تعيد توزيع التنمية، وتخفف البطالة، وتحد من الهجرة الداخلية، وتعزز الانتماء الوطني.

القضية الثالثة هي اللغة السياسية نفسها.

فالإصلاح لا يبدأ بالمصطلحات، وإنما بالفهم. وكلما ازدادت المفردات السياسية تعقيدًا، اتسعت الفجوة بين النخبة والمجتمع. والمطلوب ليس إلغاء المفاهيم الحديثة، بل ترجمتها إلى لغة يفهمها المواطن، ويرى أثرها في حياته، لأن الإصلاح الذي لا يفهمه الناس يصعب أن يدافعوا عنه.

القضية الرابعة هي ضرورة الإيقاع الزمني للإصلاح.

فالمواطن لا يطلب المعجزات، لكنه يريد أن يعرف إلى أين تتجه السفينة، ومتى يصل أثر الإصلاح إلى حياته. ولذلك فإن كل برنامج تحديث يحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، ومواعيد معلنة، وتقارير دورية تصارح الناس بما تحقق وما تعثر، لأن الثقة تُبنى بالمكاشفة، لا بالمفاجآت.

أما القضية الخامسة، فهي أن أي مشروع تحديث لن يكتمل ما لم يقترن بسيادة القانون ومحاربة الفساد ومراكز النفوذ.

فالاستثمار يبحث أولًا عن العدالة، والمواطن يبحث أولًا عن تكافؤ الفرص. وإذا بقيت المحسوبية أو التعقيدات الإدارية أو تفاوت تطبيق القانون، فإن كلفة الإصلاح ستبقى مرتفعة، مهما كانت جودة الخطط.

السردية الوطنية.

فأي مشروع إصلاحي يحتاج إلى قصة يفهمها الناس. لماذا نتخذ هذا القرار؟ ما كلفته؟ وما العائد منه؟ ومتى تظهر نتائجه؟ إن غياب الإجابات الواضحة يترك المجال مفتوحًا للشائعات والتأويلات والسرديات المضادة، بينما تبني الشفافية مجتمعًا أكثر ثقة وأكثر استعدادًا لتحمل كلفة الإصلاح عندما تكون مبررة وعادلة.

إن الحكمة في إدارة الدفة لا تعني تجنب القرارات الصعبة، لكنها تعني ترتيبها، والتدرج في تنفيذها، وربط كل خطوة سياسية بنتيجة اقتصادية أو اجتماعية ملموسة. فالإصلاح الذي يسبق قدرة المجتمع على استيعابه قد يستهلك جزءًا من رصيده الشعبي، بينما الإصلاح الذي يحقق إنجازًا ثم يبني عليه، يراكم الثقة قبل أن يراكم التشريعات.

ويبقى السؤال الأهم: أين تتجه دفة السفينة؟

إذا اتجهت نحو اقتصاد المحافظات، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة التعليم، ورفع كفاءة الخدمات، ومحاربة الفساد، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير المشاركة السياسية بالتدرج، فإن كل نجاح سيولد نجاحًا آخر، وستتحول الثقة إلى قوة دافعة للإصلاح.

أما إذا اختل ترتيب الأولويات، أو تراجعت المخرجات الاقتصادية، أو غابت المكاشفة، فإن مساحة التشكيك ستتسع، وستظهر سرديات منافسة، وسيدفع مشروع التحديث ثمنًا لم يكن مضطرًا إلى دفعه.

إن نجاح الدولة لا يقاس بسرعة تحريك دفة السفينة، بل بحسن اختيار اتجاهها. فالإصلاح الحقيقي ليس سباقًا مع الزمن، بل قدرة على تحويل كل خطوة ناجحة إلى أساس للخطوة التي تليها، حتى يصبح التحديث السياسي والاقتصادي مشروعًا وطنيًا واحدًا، لا مسارين يسيران في اتجاهين مختلفين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم