د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الأردنُّ دولةٌ لا ساحة… وسيادتُنا خطٌّ أحمرُ لا يُعبَر

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9517
د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الأردنُّ دولةٌ لا ساحة… وسيادتُنا خطٌّ أحمرُ لا يُعبَر
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

في لحظاتِ الاختبارِ الكبرى، تقاس الدول بحجمِ ما تملك من إرادةٍ ورشدٍ في القرار، لا بحجمِ ما تملكُ من عتاد. والأردنُّ اليومَ، وهو يواجهُ اعتداءً إيرانيّاً على سيادتِه وأجوائه، يقفُ أمامَ لحظةٍ تُكتَبُ فيها المواقفُ بالحكمةِ التي لا تُفرِّطُ ولا تُفرِط.
لم يكنِ الأردنُّ يوماً طرفاً في المحاورِ الإقليميّةِ المشتعلة، ولم يسعَ إلى عداوةٍ مع طهرانَ ولا مع سواها. فسياستُه الخارجيّةُ منذ تأسيسِ المملكة قامتْ على ثوابتَ راسخة: احترامُ سيادةِ الدول، ورفضُ أن يكونَ إقليمُنا مسرحاً لتصفياتِ الحساباتِ بالوكالة. غيرَ أنّ هذه الثوابتَ ذاتَها تفرضُ علينا أن نقولَ بصوتٍ هادئٍ وواضح: إنّ ما جرى تجاوزٌ لا يُحتمَل، وإنّ صبرَ الدولةِ ليس عجزاً، وإنّ اتّزانَها ليس تهاوناً.
الاعتداءُ على أجواءِ المملكة ليس شأناً تقنيّاً يُدارُ بلغةِ البياناتِ الباردة، بل هو مسٌّ بجوهرِ فكرةِ الدولة. فالسيادةُ ليستْ شعاراً يُرفَعُ في المناسبات، بل هي العقدُ الذي بموجبِه تحمي الدولةُ مواطنيها، وتضمنُ أمنَ أرضِها وسمائها. وحين يُخترَقُ هذا العقد، فإنّ الردَّ المطلوبَ ليس ردَّ فعلٍ عابراً، بل موقفَ دولةٍ تعرفُ حجمَها وتُحسنُ توظيفَ أدواتها.
الأردنّيّون اليومَ صفٌّ واحدٌ خلفَ جلالةِ الملكِ عبدالله الثاني ابن الحسين، القائدِ الأعلى للقواتِ المسلّحة، وخلفَ مؤسّساتِهم التي أثبتتْ في كلِّ اختبارٍ أنّها جديرةٌ بثقةِ الناس. من يظنُّ أنّ استهدافَ الأردنِّ سيُحدثُ شرخاً في جبهتِه الداخليّة، فقد أخطأ قراءةَ التاريخِ والجغرافيا معاً.
والمطلوبُ أردنيّاً لا يقعُ في خانةِ التصعيدِ الأهوجِ ولا التهدئةِ الرخوة، بل في المساحةِ التي يجيدُها رجالُ الدولة: استدعاءُ السفيرِ الإيرانيِّ لتسلّمِ مذكّرةِ احتجاجٍ شديدةِ اللهجة، ورفعُ ملفِّ العدوانِ إلى مجلسِ الأمنِ الدوليِّ والجامعةِ العربيّةِ ومنظّمةِ التعاونِ الإسلاميّ. ثمّ تعزيزُ منظومةِ الدفاعِ الجوّيِّ الأردنيّةِ التي أثبتتْ كفاءتَها، والإعلانُ بلا لبسٍ أنّ أيَّ جسمٍ معادٍ يعبرُ أجواءَنا سيُتعامَلُ معه بحزم. ويُضافُ إلى ذلك بلورةُ موقفٍ عربيٍّ يرفضُ تحويلَ المنطقةِ إلى ساحةِ حروبٍ بالوكالة، ومراجعةُ قنواتِ التعاونِ مع طهرانَ بما يتناسبُ مع حجمِ العدوان.
نقولُها لطهرانَ بلغةِ الدولةِ لا بلغةِ الخصومة: الأردنُّ ليس عدوّاً لكم، لكنّه ليس حديقةً خلفيّةً لأحد، ولا ممرّاً لطموحاتٍ لا تعنيه. والأردنُّ الذي حمى حدودَه في وجهِ داعش، وأسقطَ ما عبرَ سماءَه في محطّاتٍ سابقة، قادرٌ على حمايةِ نفسِه، وسيفعل.
أمّا في الداخل، فاللحظاتُ الوطنيّةُ الكبرى ليستْ مجالاً للمزايداتِ ولا للاصطفافاتِ الضيّقة. من يُهلّلُ لعدوانٍ على بلدِه تحتَ أيّ يافطة، فهو خارجَ الإجماعِ الوطنيّ. الوطنُ فوقَ الجميع، ومصلحتُه هي البوصلةُ الوحيدة.
الدولُ لا تُقاسُ بلحظاتِ رخائها، بل بلحظاتِ ابتلائها. والأردنُّ في هذه اللحظةِ مدعوٌّ إلى أن يكونَ – كما عهدْناه دائماً – صوتَ العقلِ حين يعلو البارود، وصوتَ الدولةِ حين تسودُ لغةُ الميليشيات. سنردُّ بما تفرضُه هيبتُنا، وسنتحرّكُ بما تقتضيه حكمتُنا، وسنبقى دولةً لا ساحة، وقيادةً لا تُساوَم على شبرٍ من ترابِ الوطن.
* أمين عام سابق.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم