هاني الفلاحات يكتب: أزمة النخبة واغتيال الكفاءة: عندما تُصبح "الوزارة" طموحاً لفاقدي الأهلية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8306
هاني الفلاحات يكتب: أزمة النخبة واغتيال الكفاءة: عندما تُصبح "الوزارة" طموحاً لفاقدي الأهلية
هاني علي محمود الفلاحات

هاني علي محمود الفلاحات

تعد الإدارة العامة في أي دولة هي المحرك الأساسي للتنمية، غير أن هذا المحرك يصاب بالشلل التام عندما تتحول "الكفاءة" من معيار للاختيار إلى "تهمة" تستوجب الإقصاء، في هذا المشهد، لا يصبح الفساد مجرد اختلاس مالي، بل يتحول إلى فساد بنيوي يضرب عمق الدولة من خلال تصعيد القيادات الضعيفة وتهميش القامات الوطنية. أولاً: جدلية الإقصاء وتصعيد "القيادات الهشة" تبدأ جذور الأزمة عندما تشعر السلطات بالتذبذب، فبدلاً من الاستناد إلى شرعية الإنجاز، تبحث عن شرعية "الاسترضاء"، هنا تبرز سياسة تهميش القيادات المميزة علماً وثقافة، لأن القائد المؤهل يمتلك "إرادة الرفض" ويحتكم إلى المنطق، وهو ما لا يتناسب مع مراكز القوى التي تفضل التعامل مع شخصيات "مطواعة" يسهل توجيهها. • ثقافة اغتيال الشخصية: تُستخدم كأداة استباقية لإبعاد الكفاءات، فقبل إقصاء المبدع، يتم تشويه صورته ليصبح استبعاده أمراً عادياً. • عقدة النقص القيادي: القيادات الضعيفة التي تصل للمواقع القيادية تدرك أنها "طارئة" على الموقع، لذا فإن أولويتها هي استرضاء القوى التي أوصلتها، والتحسس من أي نجاح حقيقي قد يكشف ضحالتها وتفاهتها. ثانياً: "عدوى الطموح الزائف" وموت الضمير المهني إن أخطر ما أفرزته سياسة توظيف الضعفاء هو كسر "الحواجز النفسية والمهنية" أمام العامة، فعندما يرى غير المؤهل أن شخصاً يماثله في الضحالة أو يقل عنه قد تربع على ذروة الهرم الإداري، تتولد لديه قناعة بأن المعايير قد سقطت، ويتجلّى ذلك في: 1. وقاحة التطلع: وصلت الحالة إلى "وقاحة" سياسية وإدارية، حيث بات البعض، وبضمير ميت، يتطلع لمنصب (الوزير) أو القيادات العليا دون أن يمتلك تأهيلاً أو تاريخاً حافلاً، بل يرى في نفسه "مشروع مسؤول" لمجرد قدرته على ممارسة فنون الاسترضاء أو القرب من دوائر التأثير. 2. تسطيح المناصب السيادية: حين يصبح المنصب الوزاري مكافأة لـ "الطاعة" لا "للقدرة"، فإنه يفقد قدسيته الوطنية، ويتحول في نظر الباحثين عن الوجاهة إلى غنيمة شخصية يسعى إليها الجميع بوسائل ملتوية، مما يطرد الكفاءات الحقيقية التي تترفع عن دخول حلبة صراع يغيب عنها الشرف المهني. ثالثاً: ولادة "الاستقواء" كبديل لهيبة الدولة عندما يرى المجتمع أن القرار مرهون برغبات قوى خفية، يحدث انكسار في العقد الاجتماعي، ويُوَّلد ثقافة "الاستقواء على السلطة" من خلال: • انتزاع الامتيازات: تظهر فئات تدرك ضعف المسؤول، فتبدأ بممارسة الضغوط لتحصيل مكاسب غير مشروعة باسم المجتمع، بينما هي في الحقيقة عملية "سطو" على فرص المبدعين والمستثمرين والمفكرين. • انشغال المجتمع بضائقه: في ظل هذا التكالب على المناصب من قبل "أنصاف المتعلمين" والضعفاء، يظل المجتمع مشغولاً بهمه اليومي، مما يمنح هؤلاء فرصة أكبر للتوغل وتثبيت مصالحهم بعيداً عن الرقابة الشعبية الحقيقية. رابعاً: ملامح الحل.. ثورة على "ذات الإدارة" إن الخروج من هذا النفق يتطلب ثورة إدارية تعيد للمنصب العام هيبته من خلال: • التحرر من ثقافة الاستقواء: يجب أن تدرك الحكومات أن استرضاء القوى التي تستقوي عليها هو "انتحار بطيء"، والقوة تكمن في فرض القانون عبر رجالات دولة يملكون الكفاءة والجرأة. • دقة الاختيار في "كل" المواقع: لن يتحقق الفارق إلا بتوخي الدقة المتناهية في اختيار من يقود الأذرع التنفيذية دون استثناء، لسد الطريق أمام "الوقاحة الإدارية" التي سمحت لكل من هب ودب أن يرى في نفسه وزيراً أو قائداً. خلاصة القول: إن سياسة تصعيد الضعفاء لم تدمر المؤسسات فحسب، بل دمرت "الخيال الطموح" في المجتمع، فبدلاً من أن يطمح الشباب للعلم والابتكار، بات الطموح هو البحث عن "واسطة" أو "ظهور وهمي" يوصلهم لمقاعد لم يحلموا بها، إن الدولة القوية هي التي تجعل المنصب القيادي "عبئاً ثقيلاً" لا يناله إلا أهله، لا "جائزة" يسعى إليها ذوو الضمائر الميتة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم