ماهر البطوش يكتب: جريمة إخفاء الهوية الرقمية

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 35287
ماهر البطوش يكتب: جريمة إخفاء الهوية الرقمية
ماهر البطوش

ماهر البطوش

تتبع الجرائم الإلكترونية لم يعد يقتصر على معرفة ما وقع من اعتداء، بل أصبح يبدأ من معرفة هوية مرتكبه. ولهذا يعتمد التحقيق الرقمي على العنوان البروتوكولي (IP Address) بوصفه أحد أهم الأدلة الفنية التي تكشف مصدر الاتصال، وتساعد في تعقب الجناة وربطهم بالأفعال المرتكبة. وإدراكاً لأهمية هذا الدليل، خصص المشرع الأردني المادة (12) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتجريم التحايل على العنوان البروتوكولي متى كان الهدف ارتكاب جريمة أو الحيلولة دون اكتشافها.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون رقم (17) لسنة 2023 مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.

وتكشف المادة (12) عن توجه تشريعي يقوم على حماية العدالة الرقمية قبل وقوع الجريمة وأثناء ملاحقة مرتكبها. فالمشرع لم يجرّم مجرد استخدام عنوان بروتوكولي مختلف، وإنما اشترط أن يكون الجاني قد تحايل على العنوان البروتوكولي باستخدام عنوان وهمي، أو عنوان عائد للغير، أو بأي وسيلة أخرى، وأن يكون ذلك بقصد ارتكاب جريمة إلكترونية أو بقصد الحيلولة دون اكتشافها.

ويلاحظ أن النص لم يحصر وسائل التحايل بصورة محددة، بل جاء بعبارة عامة هي "أو بأي وسيلة أخرى" وهو ما يعكس رغبة المشرع في استيعاب التطور المستمر في الوسائل التقنية التي قد تُستخدم لإخفاء المصدر الحقيقي للاتصال أو تضليل جهات التحقيق، حتى لا يصبح النص عاجزاً عن مواجهة الأساليب المستحدثة.

ولا تقوم هذه الجريمة بمجرد تغيير العنوان البروتوكولي أو استخدام وسائل تقنية لإخفائه، إذ إن هذه الوسائل قد تستعمل أحياناً لأغراض مشروعة تتعلق بحماية الخصوصية أو أمن المعلومات. ولذلك اشترط المشرع توافر القصد الجرمي، بحيث يكون التحايل موجهاً إلى تحقيق إحدى غايتين محددتين: ارتكاب جريمة، أو الحيلولة دون اكتشاف مرتكبها. وبهذا التحديد حافظ النص على التوازن بين الاستخدام المشروع للتقنيات الحديثة وتجريم استغلالها في النشاط الإجرامي.

وتتمثل خطورة هذه الجريمة في أنها لا تستهدف الاعتداء على نظام معلومات أو بيانات بعينها، وإنما تستهدف إخفاء هوية الجاني وطمس الأثر الرقمي الذي تعتمد عليه جهات إنفاذ القانون في تعقب مرتكبي الجرائم الإلكترونية. فكلما نجح الجاني في إخفاء مصدر اتصاله أو استخدام عنوان بروتوكولي وهمي أو عائد للغير، ازدادت صعوبة كشف هويته وإثبات مسؤوليته، الأمر الذي قد يهيئ لارتكاب جرائم إلكترونية أخرى كالاحتيال، والابتزاز، واختراق الأنظمة، وسرقة البيانات، مع إعاقة جهود التحقيق والوصول إلى الحقيقة.

أما من حيث العقوبة، فقد قررت المادة (12) الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، أو الغرامة التي لا تقل عن (2500) دينار ولا تزيد على (25000) دينار. ويكشف هذا الجزاء عن أن المشرع ينظر إلى التحايل على العنوان البروتوكولي باعتباره سلوكاً يمهد لارتكاب الجرائم الإلكترونية أو يعطل الوصول إلى مرتكبيها، الأمر الذي يستوجب الردع حتى وإن لم تتحقق الجريمة التي كان الجاني يسعى إليها.

إن المادة (12) تؤكد أن حماية الفضاء الرقمي لا تقتصر على تجريم الاعتداءات الإلكترونية ذاتها، وإنما تمتد أيضاً إلى حماية وسائل كشف مرتكبيها. فكل محاولة لإخفاء الهوية الرقمية أو تضليل جهات التحقيق بقصد إجرامي تمثل اعتداء على العدالة الرقمية قبل أن تكون اعتداء على التقنية، ولذلك جاء النص ليؤكد أن الإفلات من المساءلة لن يكون أيسر من ارتكاب الجريمة نفسها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم