لم يعد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً أو خياراً مؤجلاً، بل أصبحا قوة اقتصادية تعيد تشكيل المؤسسات وسوق العمل وطبيعة الوظائف في العالم. وما كان يحتاج إلى عشرات الموظفين يمكن اليوم إنجازه بعدد محدود منهم، مستعينين بمنصات رقمية وخوارزميات قادرة على معالجة البيانات، وإعداد التقارير، وخدمة العملاء، والتدقيق، والترجمة، والبرمجة، بل والمشاركة في اتخاذ القرارات.
ومما لا شك فيه أن هذه التطورات تحمل فرصاً كبيرة لرفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة، وخفض الكلف، والحد من البيروقراطية. لكنها، في المقابل، تنطوي على مخاطر اجتماعية واقتصادية جسيمة إذا تم التعامل معها بوصفها مشروعاً تقنياً منفصلاً عن التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في إدخالها إلى اقتصادات تعاني أصلاً من بطالة مرتفعة، ونمو اقتصادي محدود، وضعف في مشاركة المرأة، وفجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. وإذا لم ترافق الرقمنة سياسة وطنية لحماية الانتقال الوظيفي، فقد تتحول زيادة كفاءة المؤسسة إلى خسارة في كفاءة المجتمع كله.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 40% من الوظائف في العالم معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة، مقابل نحو 40% في الاقتصادات الصاعدة و26% في الدول منخفضة الدخل. ولا يعني «التعرض» أن جميع هذه الوظائف ستختفي، لكنه يعني أن مهامها وأجورها والطلب عليها ستتغير بدرجات متفاوتة، وأن بعض العاملين سيحققون مكاسب كبيرة في الإنتاجية، بينما يتعرض آخرون لانخفاض الأجور أو تراجع فرص التوظيف أو فقدان وظائفهم. ويحذر الصندوق كذلك من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تعميق التفاوت في الدخل والثروة إذا تركزت مكاسبه لدى الشركات الكبرى وأصحاب المهارات العالية.
كذلك، تقدّر منظمة العمل الدولية أن واحداً من كل أربعة عاملين في العالم يعمل في مهنة تتضمن درجة ما من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن 3.3% من العمالة العالمية تقع ضمن فئة التعرض الأعلى. ومع ذلك، تؤكد المنظمة أن النتيجة الأكثر احتمالاً ليست الاختفاء الكامل للوظيفة، بل تحول محتواها وإعادة توزيع مهامها بين الإنسان والآلة.
أما تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فيتوقع أن تؤدي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية والبيئية إلى استحداث نحو 170 مليون وظيفة عالمياً حتى عام 2030، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة. لكن هذه الأرقام لا تعني أن كل دولة ستخرج رابحة؛ فالوظائف الجديدة قد تنشأ في دول ومناطق مختلفة عن تلك التي تفقد الوظائف القديمة، كما أنها تتطلب مهارات لا يمتلكها بالضرورة من خسروا أعمالهم.
في المنطقة العربية، تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو 2.2% من الوظائف، أي قرابة 1.2 مليون وظيفة، يمكن أن تكون معرضة للأتمتة بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما تشير سيناريوهاتها إلى احتمال خسارة ما يقارب 1.4 مليون وظيفة في الدول العربية بحلول عام 2035 بفعل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع إمكان تعويض جانب من هذه الخسائر بوظائف جديدة إذا توافرت الاستثمارات والمهارات والسياسات المناسبة.
تكتسب هذه الأرقام خطورتها عندما توضع في السياق الأردني. فقد بلغت بطالة الأردنيين 21.4% في الربع الثالث من عام 2025، وارتفعت بين النساء الأردنيات إلى 33.9%. أما المعدل العام للبطالة، الذي يشمل الأردنيين وغير الأردنيين، فقد بلغ 16.1% في الربع الأول من عام 2026.
ولا تقف المشكلة عند معدل البطالة؛ فقد أشار البنك الدولي إلى أن بطالة الشباب بلغت 46.1% عام 2023، وأن مشاركة المرأة في سوق العمل لم تتجاوز 13.5%، وهي من أدنى النسب عالمياً. كما أن الاقتصاد الأردني نما بمتوسط سنوي يقارب 2.5% خلال العقد الماضي، وهي وتيرة لا تكفي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. وهذا يعني أن الأردن لا يدخل عصر الذكاء الاصطناعي من سوق عمل متوازن وقادر على امتصاص الصدمات، بل من سوق يعاني أصلاً من اختلالات عميقة. وأي تقليص إضافي في الطلب على العمل، حتى لو كان محدوداً من حيث النسبة، يمكن أن تكون له آثار اجتماعية تفوق آثاره في دول تتمتع بنمو مرتفع ونظم حماية اجتماعية أكثر قوة.
لن تستيقظ المؤسسات ذات صباح فتجد أن نصف وظائفها قد اختفى، لكن الأكثر احتمالاً هو حدوث تآكل تدريجي وصامت: إحالة موظفين إلى التقاعد من دون تعيين بدلاء، وتخفيض أعداد الشواغر، ودمج وحدات إدارية، والاستعانة بالمنصات بدلاً من الموظفين، وتكليف موظف واحد بعمل كان يؤديه ثلاثة أو أربعة موظفين.
في القطاع العام، ستكون الوظائف الإدارية والكتابية الأكثر تعرضاً، ومنها وظائف: إدخال البيانات، والأرشفة، وإعداد المراسلات والتقارير النمطية، والرد على الاستفسارات، والمعاملات المالية المتكررة، وبعض أعمال التدقيق وخدمة الجمهور. وقد تتمكن المؤسسات الحكومية من تقديم خدمات أسرع وأقل كلفة، لكن ذلك سيضعف قدرة القطاع العام على استيعاب الخريجين، وهو الدور الذي ظل يؤديه تاريخياً، سواء أكان ذلك الدور صحيحاً اقتصادياً أم لا.
وفي القطاع الخاص، ستتأثر وظائف: المحاسبة، وخدمة العملاء، ومراكز الاتصال، والتسويق التقليدي، والترجمة، والأعمال المصرفية المتكررة، وإدارة المخزون، وبعض الوظائف القانونية والإعلامية. ولن يقتصر الأثر على العمالة منخفضة المهارة؛ فالذكاء الاصطناعي يستهدف اليوم جانباً متزايداً من الوظائف المعرفية التي يشغلها خريجو الجامعات.
كما يمكن أن تظهر «بطالة الدخول إلى السوق» حيث لا يُفصل الموظفون الحاليون، لكن الشركات تتوقف عن توظيف الخريجين في الوظائف المبتدئة لأنها تستطيع إنجاز مهامها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهذه الصورة قد تكون أكثر خطورة في الأردن من التسريح المباشر، لأنها تغلق الباب أمام جيل كامل من الشباب من دون أن تظهر فوراً في قرارات جماعية واضحة.
حين يفقد الإنسان وظيفته، لا يخسر دخله وحده. فالعمل مصدر للاستقلال والهوية والمكانة الاجتماعية والشعور بالقيمة. ولذلك فإن التوسع غير المنظم في الأتمتة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الفقر والمديونية الأسرية والاعتماد على المعونات، وتأخر الزواج وتكوين الأسر، وتراجع الاستهلاك المحلي، وزيادة الضغوط النفسية والاجتماعية.
كما أن المشروعات الصغيرة ستتضرر أيضاً؛ فالموظف الذي يفقد دخله سيُخفِّض إنفاقه، فتتراجع مبيعات المتاجر والمطاعم ووسائل النقل والخدمات المحلية. وهكذا تنتقل خسارة الوظيفة من مؤسسة واحدة إلى سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية. كما يُخشى أن تتسع الفجوة بين المركز والأطراف، وبين خريجي المدارس والجامعات المتميزة وغيرهم، وبين من يمتلك اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية ومن لا يمتلكهما. وقد يؤدي غياب الفرص إلى زيادة هجرة الكفاءات، بينما يبقى الأقل قدرة على الحركة عالقاً في سوق عمل محدود.
ولا يجوز افتراض أن المرأة ستكون دائماً من المستفيدين من العمل الرقمي؛ فالوظائف الكتابية والإدارية، التي ترتفع فيها نسبة النساء عالمياً، هي من أكثر الوظائف تعرضاً للذكاء الاصطناعي. ومن دون تدريب موجه ومرونة في العمل وحماية اجتماعية، قد تعمق التكنولوجيا الفجوة القائمة بدلاً من تضييقها.
وبالتالي، فالمطلوب ليس إبطاء التحول الرقمي أو مقاومة الذكاء الاصطناعي؛ فهذا غير ممكن، وسيؤدي إلى إضعاف تنافسية الاقتصاد والخدمات العامة، وإنما المطلوب هو إدارة التحول بحيث تكون التكنولوجيا أداة لزيادة قدرة الإنسان، لا ذريعة للاستغناء عنه.
وعليه:
أولاً: يحتاج الأردن إلى إنشاء مرصد وطني لمستقبل الوظائف، بحيث يتولى هذا المرصد تحليل أثر الذكاء الاصطناعي على كل قطاع ومهنة، ويصدر تقريراً سنوياً يبين الوظائف المهددة والوظائف الصاعدة والمهارات المطلوبة، علما أنه لا يمكن إدارة تحول بهذا الحجم من دون بيانات تفصيلية تتجاوز أرقام البطالة العامة.
ثانياً: ينبغي إعادة بناء التعليم الجامعي والتقني بحيث ينصب التركيز على المهارات، لا على أسماء التخصصات. فإضافة مساق نظري في الذكاء الاصطناعي لن تحل المشكلة، لأن المطلوب دمج الثقافة الرقمية، وتحليل البيانات، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، واللغة الإنجليزية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات: من الإدارة والمحاسبة والقانون إلى الطب والهندسة والعلوم الإنسانية.
ثالثاً: يجب إطلاق برنامج وطني واسع لإعادة تأهيل العاملين، تشارك فيه الحكومة والجامعات وغرف الصناعة والتجارة والشركات التقنية. ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على البرمجة؛ فالسوق سيحتاج أيضاً إلى متخصصين في الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والصيانة التقنية، والتسويق الرقمي، وإدارة المنصات، والرعاية الصحية، والتعليم، والطاقة والمياه، والاقتصاد الأخضر، والصناعات الإبداعية.
رابعاً: ينبغي ربط الحوافز والإعفاءات الممنوحة للشركات بالتشغيل والتدريب. فمن غير المقبول أن تستفيد شركة من دعم عام ثم تستخدم التكنولوجيا لتقليص العمالة من دون الإسهام في إعادة تأهيل العاملين. ويمكن تقديم حوافز أكبر للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع الإنتاج والتصدير واستحداث وظائف، لا لمجرد خفض الرواتب والنفقات.
خامساً: يحتاج قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي إلى الاستعداد لأشكال العمل الجديدة، مثل العمل عن بُعد والعمل عبر المنصات والعمل الحر. وينبغي توفير حماية اجتماعية وتأمين صحي واشتراكات مرنة للعاملين المستقلين، إلى جانب دعم مؤقت لمن يفقد وظيفته بسبب إعادة الهيكلة التقنية، بحيث يكون هذا الدعم مرتبطا بالتدريب والعودة إلى العمل.
سادساً: يجب أن يتبنى القطاع العام مبدأ «التحول العادل» بحيث لا يتم شراء نظام رقمي أو تطبيق للذكاء الاصطناعي قبل إعداد دراسة تبين أثره في العمالة، وخطة لإعادة توزيع الموظفين وتدريبهم. كما ينبغي توجيه الوفورات الناتجة عن الرقمنة إلى تحسين الخدمات، وتمويل التدريب، واستحداث وظائف في مجالات الرقابة الرقمية والأمن السيبراني وتحليل السياسات وخدمة الفئات غير القادرة على التعامل مع المنصات.
سابعاً: يجب عدو الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا المستوردة. فالقيمة الحقيقية تكمن في بناء منتجات وخدمات رقمية محلية قابلة للتصدير، ولا سيما باللغة العربية وفي قطاعات التعليم والصحة والسياحة والخدمات الحكومية والتكنولوجيا المالية؛ لأنه إذا أصبح الأردن مستخدماً فقط، فسيدفع ثمن التكنولوجيا ويفقد بعض الوظائف؛ أما إذا أصبح منتجاً ومصدّراً، فيمكنه تحويلها إلى مصدر للنمو والتشغيل.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار ليس: كم معاملة أصبحت إلكترونية؟ ولا: كم موظفاً أمكن الاستغناء عنه؟ بل: هل أدت التكنولوجيا إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة وقدرة على خلق العمل الكريم؟
إن الدولة التي تقيس نجاح التحول الرقمي بعدد الموظفين الذين استغنت عنهم قد تحقق وفراً مالياً قصير الأجل، لكنها قد تدفع أضعافه لاحقاً في صورة بطالة وفقر وتراجع في الاستهلاك وزيادة في الحاجة إلى الدعم الاجتماعي. كما أن ترك العامل وحده في مواجهة آلةٍ تتطور بسرعة ليس سياسة اقتصادية، بل تَخَلٍّ عن المسؤولية الاجتماعية للدولة والسوق معاً.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي العمل الإنساني، لكنه سيغير قيمته وتوزيعه وشروطه. وبعض الوظائف سيختفي، وكثير منها سيتغير، وستظهر وظائف جديدة. غير أن الانتقال لن يكون عادلاً بصورة تلقائية، لأنه من دون تدخل مبكر، ستذهب مكاسب الإنتاجية إلى فئة محدودة، بينما يتحمل الشباب والعاملون وأسرهم كلفة التحول.
أمام الأردن فرصة حقيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تجاوز بعض قيود الموارد وتحسين الخدمات وفتح أسواق جديدة. لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب أن تسبق سياسةُ التشغيل سرعةَ الآلة، وأنْ يصبح الإنسان محور التحول الرقمي لا ضحيته. فالمستقبل لا تحسمه التكنولوجيا وحدها، وإنما تحسمه القرارات التي نتخذها اليوم بشأن مَن يستفيد منها، ومَن يتحمل كلفتها، وكيف نضمن ألا يُترك أحد خارج الاقتصاد الجديد.
*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
ومما لا شك فيه أن هذه التطورات تحمل فرصاً كبيرة لرفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات العامة، وخفض الكلف، والحد من البيروقراطية. لكنها، في المقابل، تنطوي على مخاطر اجتماعية واقتصادية جسيمة إذا تم التعامل معها بوصفها مشروعاً تقنياً منفصلاً عن التشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في إدخالها إلى اقتصادات تعاني أصلاً من بطالة مرتفعة، ونمو اقتصادي محدود، وضعف في مشاركة المرأة، وفجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. وإذا لم ترافق الرقمنة سياسة وطنية لحماية الانتقال الوظيفي، فقد تتحول زيادة كفاءة المؤسسة إلى خسارة في كفاءة المجتمع كله.
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 40% من الوظائف في العالم معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة، مقابل نحو 40% في الاقتصادات الصاعدة و26% في الدول منخفضة الدخل. ولا يعني «التعرض» أن جميع هذه الوظائف ستختفي، لكنه يعني أن مهامها وأجورها والطلب عليها ستتغير بدرجات متفاوتة، وأن بعض العاملين سيحققون مكاسب كبيرة في الإنتاجية، بينما يتعرض آخرون لانخفاض الأجور أو تراجع فرص التوظيف أو فقدان وظائفهم. ويحذر الصندوق كذلك من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تعميق التفاوت في الدخل والثروة إذا تركزت مكاسبه لدى الشركات الكبرى وأصحاب المهارات العالية.
كذلك، تقدّر منظمة العمل الدولية أن واحداً من كل أربعة عاملين في العالم يعمل في مهنة تتضمن درجة ما من التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن 3.3% من العمالة العالمية تقع ضمن فئة التعرض الأعلى. ومع ذلك، تؤكد المنظمة أن النتيجة الأكثر احتمالاً ليست الاختفاء الكامل للوظيفة، بل تحول محتواها وإعادة توزيع مهامها بين الإنسان والآلة.
أما تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فيتوقع أن تؤدي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية والبيئية إلى استحداث نحو 170 مليون وظيفة عالمياً حتى عام 2030، مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة. لكن هذه الأرقام لا تعني أن كل دولة ستخرج رابحة؛ فالوظائف الجديدة قد تنشأ في دول ومناطق مختلفة عن تلك التي تفقد الوظائف القديمة، كما أنها تتطلب مهارات لا يمتلكها بالضرورة من خسروا أعمالهم.
في المنطقة العربية، تقدّر منظمة العمل الدولية أن نحو 2.2% من الوظائف، أي قرابة 1.2 مليون وظيفة، يمكن أن تكون معرضة للأتمتة بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما تشير سيناريوهاتها إلى احتمال خسارة ما يقارب 1.4 مليون وظيفة في الدول العربية بحلول عام 2035 بفعل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع إمكان تعويض جانب من هذه الخسائر بوظائف جديدة إذا توافرت الاستثمارات والمهارات والسياسات المناسبة.
تكتسب هذه الأرقام خطورتها عندما توضع في السياق الأردني. فقد بلغت بطالة الأردنيين 21.4% في الربع الثالث من عام 2025، وارتفعت بين النساء الأردنيات إلى 33.9%. أما المعدل العام للبطالة، الذي يشمل الأردنيين وغير الأردنيين، فقد بلغ 16.1% في الربع الأول من عام 2026.
ولا تقف المشكلة عند معدل البطالة؛ فقد أشار البنك الدولي إلى أن بطالة الشباب بلغت 46.1% عام 2023، وأن مشاركة المرأة في سوق العمل لم تتجاوز 13.5%، وهي من أدنى النسب عالمياً. كما أن الاقتصاد الأردني نما بمتوسط سنوي يقارب 2.5% خلال العقد الماضي، وهي وتيرة لا تكفي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. وهذا يعني أن الأردن لا يدخل عصر الذكاء الاصطناعي من سوق عمل متوازن وقادر على امتصاص الصدمات، بل من سوق يعاني أصلاً من اختلالات عميقة. وأي تقليص إضافي في الطلب على العمل، حتى لو كان محدوداً من حيث النسبة، يمكن أن تكون له آثار اجتماعية تفوق آثاره في دول تتمتع بنمو مرتفع ونظم حماية اجتماعية أكثر قوة.
لن تستيقظ المؤسسات ذات صباح فتجد أن نصف وظائفها قد اختفى، لكن الأكثر احتمالاً هو حدوث تآكل تدريجي وصامت: إحالة موظفين إلى التقاعد من دون تعيين بدلاء، وتخفيض أعداد الشواغر، ودمج وحدات إدارية، والاستعانة بالمنصات بدلاً من الموظفين، وتكليف موظف واحد بعمل كان يؤديه ثلاثة أو أربعة موظفين.
في القطاع العام، ستكون الوظائف الإدارية والكتابية الأكثر تعرضاً، ومنها وظائف: إدخال البيانات، والأرشفة، وإعداد المراسلات والتقارير النمطية، والرد على الاستفسارات، والمعاملات المالية المتكررة، وبعض أعمال التدقيق وخدمة الجمهور. وقد تتمكن المؤسسات الحكومية من تقديم خدمات أسرع وأقل كلفة، لكن ذلك سيضعف قدرة القطاع العام على استيعاب الخريجين، وهو الدور الذي ظل يؤديه تاريخياً، سواء أكان ذلك الدور صحيحاً اقتصادياً أم لا.
وفي القطاع الخاص، ستتأثر وظائف: المحاسبة، وخدمة العملاء، ومراكز الاتصال، والتسويق التقليدي، والترجمة، والأعمال المصرفية المتكررة، وإدارة المخزون، وبعض الوظائف القانونية والإعلامية. ولن يقتصر الأثر على العمالة منخفضة المهارة؛ فالذكاء الاصطناعي يستهدف اليوم جانباً متزايداً من الوظائف المعرفية التي يشغلها خريجو الجامعات.
كما يمكن أن تظهر «بطالة الدخول إلى السوق» حيث لا يُفصل الموظفون الحاليون، لكن الشركات تتوقف عن توظيف الخريجين في الوظائف المبتدئة لأنها تستطيع إنجاز مهامها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وهذه الصورة قد تكون أكثر خطورة في الأردن من التسريح المباشر، لأنها تغلق الباب أمام جيل كامل من الشباب من دون أن تظهر فوراً في قرارات جماعية واضحة.
حين يفقد الإنسان وظيفته، لا يخسر دخله وحده. فالعمل مصدر للاستقلال والهوية والمكانة الاجتماعية والشعور بالقيمة. ولذلك فإن التوسع غير المنظم في الأتمتة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الفقر والمديونية الأسرية والاعتماد على المعونات، وتأخر الزواج وتكوين الأسر، وتراجع الاستهلاك المحلي، وزيادة الضغوط النفسية والاجتماعية.
كما أن المشروعات الصغيرة ستتضرر أيضاً؛ فالموظف الذي يفقد دخله سيُخفِّض إنفاقه، فتتراجع مبيعات المتاجر والمطاعم ووسائل النقل والخدمات المحلية. وهكذا تنتقل خسارة الوظيفة من مؤسسة واحدة إلى سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية. كما يُخشى أن تتسع الفجوة بين المركز والأطراف، وبين خريجي المدارس والجامعات المتميزة وغيرهم، وبين من يمتلك اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية ومن لا يمتلكهما. وقد يؤدي غياب الفرص إلى زيادة هجرة الكفاءات، بينما يبقى الأقل قدرة على الحركة عالقاً في سوق عمل محدود.
ولا يجوز افتراض أن المرأة ستكون دائماً من المستفيدين من العمل الرقمي؛ فالوظائف الكتابية والإدارية، التي ترتفع فيها نسبة النساء عالمياً، هي من أكثر الوظائف تعرضاً للذكاء الاصطناعي. ومن دون تدريب موجه ومرونة في العمل وحماية اجتماعية، قد تعمق التكنولوجيا الفجوة القائمة بدلاً من تضييقها.
وبالتالي، فالمطلوب ليس إبطاء التحول الرقمي أو مقاومة الذكاء الاصطناعي؛ فهذا غير ممكن، وسيؤدي إلى إضعاف تنافسية الاقتصاد والخدمات العامة، وإنما المطلوب هو إدارة التحول بحيث تكون التكنولوجيا أداة لزيادة قدرة الإنسان، لا ذريعة للاستغناء عنه.
وعليه:
أولاً: يحتاج الأردن إلى إنشاء مرصد وطني لمستقبل الوظائف، بحيث يتولى هذا المرصد تحليل أثر الذكاء الاصطناعي على كل قطاع ومهنة، ويصدر تقريراً سنوياً يبين الوظائف المهددة والوظائف الصاعدة والمهارات المطلوبة، علما أنه لا يمكن إدارة تحول بهذا الحجم من دون بيانات تفصيلية تتجاوز أرقام البطالة العامة.
ثانياً: ينبغي إعادة بناء التعليم الجامعي والتقني بحيث ينصب التركيز على المهارات، لا على أسماء التخصصات. فإضافة مساق نظري في الذكاء الاصطناعي لن تحل المشكلة، لأن المطلوب دمج الثقافة الرقمية، وتحليل البيانات، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، واللغة الإنجليزية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مختلف التخصصات: من الإدارة والمحاسبة والقانون إلى الطب والهندسة والعلوم الإنسانية.
ثالثاً: يجب إطلاق برنامج وطني واسع لإعادة تأهيل العاملين، تشارك فيه الحكومة والجامعات وغرف الصناعة والتجارة والشركات التقنية. ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على البرمجة؛ فالسوق سيحتاج أيضاً إلى متخصصين في الأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والصيانة التقنية، والتسويق الرقمي، وإدارة المنصات، والرعاية الصحية، والتعليم، والطاقة والمياه، والاقتصاد الأخضر، والصناعات الإبداعية.
رابعاً: ينبغي ربط الحوافز والإعفاءات الممنوحة للشركات بالتشغيل والتدريب. فمن غير المقبول أن تستفيد شركة من دعم عام ثم تستخدم التكنولوجيا لتقليص العمالة من دون الإسهام في إعادة تأهيل العاملين. ويمكن تقديم حوافز أكبر للشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع الإنتاج والتصدير واستحداث وظائف، لا لمجرد خفض الرواتب والنفقات.
خامساً: يحتاج قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي إلى الاستعداد لأشكال العمل الجديدة، مثل العمل عن بُعد والعمل عبر المنصات والعمل الحر. وينبغي توفير حماية اجتماعية وتأمين صحي واشتراكات مرنة للعاملين المستقلين، إلى جانب دعم مؤقت لمن يفقد وظيفته بسبب إعادة الهيكلة التقنية، بحيث يكون هذا الدعم مرتبطا بالتدريب والعودة إلى العمل.
سادساً: يجب أن يتبنى القطاع العام مبدأ «التحول العادل» بحيث لا يتم شراء نظام رقمي أو تطبيق للذكاء الاصطناعي قبل إعداد دراسة تبين أثره في العمالة، وخطة لإعادة توزيع الموظفين وتدريبهم. كما ينبغي توجيه الوفورات الناتجة عن الرقمنة إلى تحسين الخدمات، وتمويل التدريب، واستحداث وظائف في مجالات الرقابة الرقمية والأمن السيبراني وتحليل السياسات وخدمة الفئات غير القادرة على التعامل مع المنصات.
سابعاً: يجب عدو الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا المستوردة. فالقيمة الحقيقية تكمن في بناء منتجات وخدمات رقمية محلية قابلة للتصدير، ولا سيما باللغة العربية وفي قطاعات التعليم والصحة والسياحة والخدمات الحكومية والتكنولوجيا المالية؛ لأنه إذا أصبح الأردن مستخدماً فقط، فسيدفع ثمن التكنولوجيا ويفقد بعض الوظائف؛ أما إذا أصبح منتجاً ومصدّراً، فيمكنه تحويلها إلى مصدر للنمو والتشغيل.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار ليس: كم معاملة أصبحت إلكترونية؟ ولا: كم موظفاً أمكن الاستغناء عنه؟ بل: هل أدت التكنولوجيا إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة وقدرة على خلق العمل الكريم؟
إن الدولة التي تقيس نجاح التحول الرقمي بعدد الموظفين الذين استغنت عنهم قد تحقق وفراً مالياً قصير الأجل، لكنها قد تدفع أضعافه لاحقاً في صورة بطالة وفقر وتراجع في الاستهلاك وزيادة في الحاجة إلى الدعم الاجتماعي. كما أن ترك العامل وحده في مواجهة آلةٍ تتطور بسرعة ليس سياسة اقتصادية، بل تَخَلٍّ عن المسؤولية الاجتماعية للدولة والسوق معاً.
الذكاء الاصطناعي لن يلغي العمل الإنساني، لكنه سيغير قيمته وتوزيعه وشروطه. وبعض الوظائف سيختفي، وكثير منها سيتغير، وستظهر وظائف جديدة. غير أن الانتقال لن يكون عادلاً بصورة تلقائية، لأنه من دون تدخل مبكر، ستذهب مكاسب الإنتاجية إلى فئة محدودة، بينما يتحمل الشباب والعاملون وأسرهم كلفة التحول.
أمام الأردن فرصة حقيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تجاوز بعض قيود الموارد وتحسين الخدمات وفتح أسواق جديدة. لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب أن تسبق سياسةُ التشغيل سرعةَ الآلة، وأنْ يصبح الإنسان محور التحول الرقمي لا ضحيته. فالمستقبل لا تحسمه التكنولوجيا وحدها، وإنما تحسمه القرارات التي نتخذها اليوم بشأن مَن يستفيد منها، ومَن يتحمل كلفتها، وكيف نضمن ألا يُترك أحد خارج الاقتصاد الجديد.
*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات