الخطيب يكتب: الأمن ليس مجرد استجابة .. بل استشراف

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 14172
  الخطيب يكتب: الأمن ليس مجرد استجابة ..  بل استشراف
عقيد متقاعد محمد الخطيب

عقيد متقاعد محمد الخطيب

لم يعد نجاح أي مؤسسة أمنية في العالم يقاس بسرعة وصولها إلى موقع الحادث بعد وقوعه، بل بقدرتها على منع الحادث قبل أن يحدث، وقراءة المؤشرات التي قد تقود إليه، وبناء منظومة قادرة على استشراف المخاطر والتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمات.
وهذا هو التحول الذي يمكن لأي متابع أن يلمسه في مسيرة مديرية الأمن العام الأردنية خلال السنوات الأخيرة؛ فالمؤسسة لم تعد تعمل وفق فلسفة رد الفعل، وإنما وفق منهج استباقي يقوم على التخطيط، وتحليل المخاطر، وبناء الجاهزية، والتحديث المستمر للقدرات البشرية والتقنية.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية التي أكدت باستمرار أن الأمن ليس غاية بحد ذاته، وإنما هو شرط أساسي للتنمية والاستثمار، وحماية الإنسان، وتعزيز سيادة القانون.
لقد تغيرت طبيعة التهديدات الأمنية في العالم. فلم تعد تقتصر على الجريمة التقليدية، بل أصبحت تشمل الجرائم الإلكترونية، والهجمات السيبرانية، والمخدرات العابرة للحدود، والتطرف، والكوارث الطبيعية، والأزمات الصحية، والمعلومات المضللة، وغيرها من المخاطر المركبة التي تتطلب مؤسسات أمنية قادرة على التفكير قبل التحرك، وعلى التوقع قبل الاستجابة.
ومن هنا، أصبح الاستثمار في المعلومة، وفي التكنولوجيا، وفي الذكاء الاصطناعي، وفي تحليل البيانات، جزءاً أساسياً من العمل الأمني الحديث، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره الركيزة الحقيقية لأي نجاح مؤسسي.
والاستشراف لا يعني فقط امتلاك التقنيات، بل يعني أيضاً بناء ثقافة مؤسسية تقوم على التعلم المستمر، والتقييم، واستخلاص الدروس، وتطوير الخطط والسيناريوهات، بحيث تكون المؤسسة مستعدة لكل الاحتمالات، مهما بدت بعيدة.
ولعل أبرز ما يميز التجربة الأردنية هو أن هذا التطور لم يأتِ على حساب البعد الإنساني، بل تزامن مع ترسيخ مفهوم الشرطة المجتمعية، وتعزيز الشراكة مع المواطنين، واحترام حقوق الإنسان، لأن المجتمع الواعي والمتعاون هو خط الدفاع الأول في مواجهة كثير من المخاطر.
كما أن العمل الأمني اليوم لم يعد مسؤولية جهاز واحد، بل أصبح عملاً تكاملياً تشارك فيه مؤسسات الدولة المختلفة، إلى جانب القطاع الخاص، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، وهو ما يعزز القدرة الوطنية على إدارة الأزمات والتعامل مع المتغيرات بكفاءة ومرونة.
إن بناء الأمن في القرن الحادي والعشرين لا يتحقق فقط بكثرة الدوريات أو حجم الإمكانات، وإنما بامتلاك رؤية تستبق الأحداث، ومؤسسة تتعلم باستمرار، وقيادة تؤمن بأن الوقاية أقل كلفة من العلاج، وأن الاستعداد المسبق هو أساس النجاح عند وقوع أي طارئ.
ومن هنا، فإن الاستشراف لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة وطنية في عالم سريع التغير، تتشابك فيه التحديات وتتسارع فيه المخاطر. والمؤسسات التي تنجح هي تلك التي ترى ما وراء الحدث، وتستعد لما قبل الأزمة، وتبني قدراتها قبل الحاجة إليها.
إن الأمن الحقيقي لا يبدأ عندما تقع الأزمة، بل يبدأ قبلها بوقت طويل. وعندما تتحول هذه الفلسفة إلى نهج عمل مؤسسي، يصبح الأمن أكثر قدرة على حماية المجتمع، وأكثر إسهاماً في دعم التنمية، وأكثر رسوخاً في ترسيخ الاستقرار. فالأمن في جوهره ليس مجرد استجابة لما حدث، بل قدرة على استشراف ما قد يحدث، والاستعداد له بكفاءة واحتراف.
ضمن سلسلة: "الأمن الأردني... من إدارة الأمن إلى صناعة الاستقرار".
المقال القادم: القيادة الميدانية... حيث يُصنع القرار
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم