الطورة يكتب: تسعيرة المحروقات .. صندوق أسود وامتحان لجيب الأردني

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 15336
الطورة يكتب: تسعيرة المحروقات ..  صندوق أسود وامتحان لجيب الأردني
يوسف الطورة

يوسف الطورة

في الأردن لم تعد تسعيرة المحروقات خبراً اقتصادياً هامشياً يظهر في نهاية كل شهر، وإنما تحولت إلى موعد يترقبه المواطن بقلق.

ولهذا فإن الحديث عن تسعيرة المحروقات المقبلة يجب ألا يبقى ضمن إطار ارتفاعها أو بقائها ثابتة، ثمة سؤال أهم إلى أي حد يستطيع الاقتصاد الأردني والمواطن تحمل أي زيادة جديدة؟

حتى نهاية آب الماضي، أبقت الحكومة أسعار البنزين أوكتان 90 عند دينار للتر، وأوكتان 95 عند 1.310 دينار، والديزل عند 850 فلساً، والكاز عند 550 فلساً، رغم ارتفاع متوسط الأسعار العالمية.

وقالت إن قرار التثبيت جاء ضمن سياسة التدرج في عكس الارتفاعات العالمية، بهدف الحد من انعكاسها على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

وأن الفروقات السعرية التي تحملتها الخزينة منذ بداية الأزمة وحتى نهاية آب بلغت 224 مليون دينار، شاملة دعم أسطوانات الغاز المنزلي.

وهنا تبدأ المفارقة، المواطن يريد سعر أقل، والخزينة تريد تقليل فاتورة الدعم، والأسواق العالمية لا تعرف شيئاً عن راتب الموظف الأردني، ولا عن فاتورة الأسرة، ولا عن كلفة مشروع صغير في العقبة أو الشوبك أو الكرك أو المفرق.

التسعير الشهري جاء بعد تحرير أسعار المشتقات النفطية وربطها بالأسعار العالمية، صعوداً وهبوطاً، بهدف الحد من أعباء الدعم ومنع تراكم العجز والمديونية.

ويستند احتساب الأسعار المحلية إلى متوسط الأسعار العالمية خلال الثلاثين يوماً السابقة للتسعير، مضافاً إليها تكاليف إيصال المشتقات إلى السوق المحلية والضرائب والرسوم، وهي كلف يتحملها المواطن الأردني كاملة.

المعادلة لم تكن مجرد "سعر عالمي"، وهنا تبدأ القصة الأكثر حساسية، 2019 انتقلت الحكومة إلى الضريبة المقطوعة على المشتقات النفطية، بحيث أصبحت قيمة الضريبة ثابتة لكل لتر، بصرف النظر عن صعود السعر العالمي أو هبوطه.

وحددت الضريبة المقطوعة عند 370 فلساً لكل لتر من بنزين أوكتان 90، و575 فلساً لأوكتان 95، و165 فلساً لكل لتر من الديزل والكاز، مع اختلافها لبقية المشتقات، تبررها الرواية الرسمية بهدف تثبيت الإيرادات الحكومية من الضرائب وتوفير قدر أكبر من الوضوح في التسعير.

وهذه الأرقام تستحق أن تبقى حاضرة في أي نقاش حول أسعار المحروقات، فقد أشارت تحليلات اقتصادية إلى أن الضريبة أصبحت تشكل نسبة كبيرة من السعر النهائي، فيما تقدر إيراداتها بأكثر من مليار دينار سنوياً، الأمر الذي يجعل تخفيضها قراراً مالياً له انعكاسات مباشرة على إيرادات الخزينة.

وتبقى هذه تقديرات وتحليلات منشورة، وليست أرقاماً رسمية صادرة عن وزارة المالية.

وهنا تكمن المفارقة الدولة تحتاج الإيرادات، والمواطن يحتاج إلى تخفيف الكلفة، وبين الحاجة إلى تمويل الخزينة والحاجة إلى حماية القوة الشرائية، تقف المحروقات في المنتصف.

فبحسب الأرقام الرسمية المنشورة عن آب 2026، بلغت التكلفة الفعلية لبنزين أوكتان 90 نحو 1.069 دينار للتر، مقابل سعر بيع محلي بلغ ديناراً واحداً، فيما بلغت تكلفة الديزل نحو 960 فلساً مقابل سعر بيع 850 فلساً، والكاز نحو 945 فلساً مقابل 550 فلساً.

هذه الأرقام تعني أن الخزينة تتحمل فروقات في عدد من المشتقات، لكنها في الوقت ذاته تجعل السؤال عن تركيب السعر النهائي أكثر إلحاحاً.

لجنة التسعير أصبحت في الوعي العام أقرب إلى "الصندوق الأسود"، نعرف موعد الاجتماع، وننتظر النتيجة ثم نقرأ الرقم ونعود إلى حياتنا.

المواطن لا يرى دائماً تفاصيل المعادلة التي سبقت الرقم، ولا يعرف كيف جرى وزن الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية والمالية قبل اتخاذ القرار، ولأن المحروقات ليست سلعة عادية، فإن شفافية تسعيرها ليست ترفاً إدارياً.

من المفارقة والسخرية أن حتى المستثمر الذي يريد بناء نموذج مالي لخمس أو عشر سنوات، يجد نفسه مضطراً إلى مراقبة جدول التسعير الشهري، وكأن دراسة الجدوى تحتاج إلى قراءة الفنجان إلى جانب الجداول المالية.

لا أحد يطالب بأن تعيش الأردن خارج السوق العالمية، ولا أن تتحمل الخزينة إلى الأبد كل ارتفاع في أسعار النفط، لكن أيضا لا يمكن التعامل مع قدرة المواطن على الدفع باعتبارها متغيراً هامشياً في معادلة التسعير.

فالـ 224 مليون دينار التي تحملتها الخزينة حتى نهاية آب رقم لا يمكن تجاهله، لكن قدرة المواطن على تحمل المزيد من الكلفة رقم مهم، وتحميل الأردني كل ارتفاع عالمي ليس حلاً مستداماً أيضاً.

بين الرقمين تقف السياسة الاقتصادية أمام امتحان حقيقي، كيف توزع الدولة كلفة الطاقة بين الخزينة والمواطن والقطاعات الاقتصادية دون أن يتحول أحد الأطراف إلى الطرف الذي يدفع دائماً.

المطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد تثبيت السعر أو رفعه أو خفضه، وإنما أن تصبح معادلة التسعير نفسها أكثر وضوحاً.

فالمواطن لا يطلب سعراً منفصلاً عن العالم، ولا يطلب من الخزينة أن تتحمل كل شيء، يريد أن يفهم، والفهم هنا ليس رفاهية ولا ترفاً.

لهذا فإن تثبيت الأسعار متى كان ممكناً مالياً، لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره قراراً لتأجيل الزيادة، وإنما كجزء من محاولة لحماية القدرة الشرائية وتقليل انتقال الكلفة إلى بقية الاقتصاد.

فاتورة المحروقات في الأردن ليست مجرد تسعيرة شهرية. إنها امتحان شهري لقدرة الدولة على إدارة الكلفة، وقدرة المواطن على تحملها، أو كلفة جديدة على الاستثمار، أو ضربة أخرى للثقة.

بعيداً عن بورصة الأرقام، وصحتها من عدمها، وما الذي يذهب كضريبة ورسوم وتكاليف، ومقدار العبء الذي تتحمله الخزينة، ومقدار العبء الذي يتحمله الأردني، يجب ألا يغيب عن أي طاولة للتسعير أن المواطن ليس رقماً في خانة الإيرادات أو النفقات.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم