د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اقتصاد الجامعات الرسمية وإعادة بناء دورها الوطني

منذ 8 ساعات
المشاهدات : 12880
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: اقتصاد الجامعات الرسمية وإعادة بناء دورها الوطني
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في إطار النقاشات المتعلقة بمشروع القانون المعدِّل لقانوني التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات الأردنية، يعود ملف الجامعات الرسمية إلى واجهة الحوار الوطني، بما يتطلب أن يكون منطلق النقاش الحقائق لا الانطباعات، والرؤية بعيدة المدى لا ردود الأفعال الآنية.

فالجامعات الأردنية ليست مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل تمثل الحلقة العليا في المنظومة التعليمية، وإحدى ركائز الدولة في بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتأهيل الكفاءات، وتقديم الخبرة التي تسند القرار العام وتدعم التنمية الوطنية. ولذلك، فإن مراجعة التشريعات الناظمة لعملها ينبغي ألا تقتصر على معالجة قضايا إدارية أو مالية جزئية، بل أن تكون مدخلًا لإعادة تعريف موقع الجامعة في مشروع الدولة، ودورها بوصفها بيت خبرة وطنيًا وشريكًا في صناعة السياسات والتنمية.

ورغم خضوع الجامعات الرسمية لإطار تشريعي واحد، فإن التعامل معها بوصفها كتلة متجانسة لا يعكس واقعها. فلكل جامعة مواردها، والتزاماتها، وموقعها الجغرافي، وطبيعة برامجها، وحجم مديونيتها، وقدرتها على استقطاب الطلبة. لذلك لا يمكن معالجة جامعة تعتمد على تخصصات تقليدية بالطريقة نفسها التي تُعالج بها جامعة تمتلك مستشفى جامعيًا، أو قاعدة بحثية، أو برامج جاذبة للطلبة الدوليين.

ومن هنا، يبدأ الإصلاح بإعداد ملف تشخيص مستقل لكل جامعة، يحدد مصادر العجز، والكلفة التشغيلية، ونسبة الرواتب إلى الموازنة، والبرامج غير المستدامة، والأصول غير المستثمرة، والفرص المتاحة، مع التمييز بين ما نتج عن قرارات داخلية، وما ترتب على التزامات أو سياسات عامة. ثم توضع خطة إصلاح تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، بأهداف مالية وأكاديمية قابلة للقياس، لأن تمويل الجامعة من دون معالجة أسباب الخلل لا يحل الأزمة، وإنما يؤجلها.

ولا ينبغي أن تُصنع الحلول خارج الجامعات وحدها؛ فهي تضم خبرات تولت مواقع وزارية وإدارية وأكاديمية رفيعة، إلى جانب كفاءات في الاقتصاد، والإدارة، والقانون، والهندسة، والصحة، والزراعة، والعلوم الاجتماعية. غير أن تحويل هذه الخبرات إلى قدرة مؤسسية يتطلب وحدات احترافية لإدارة المشروعات والاستشارات، ومعايير واضحة للجودة والمساءلة، بما يؤهل الجامعات لتكون بيوت خبرة للدولة، لا مؤسسات تدريس فحسب.

ويمكن ترجمة ذلك من خلال إنشاء وحدات متخصصة تتنافس على تقديم الدراسات والاستشارات للوزارات والمؤسسات الرسمية وفق معايير معلنة للجودة والكلفة والشفافية. فكلية الاقتصاد تستطيع دراسة أثر قرار ضريبي أو استثماري، وكلية الهندسة تقييم مشروعات البنية التحتية، والكليات الصحية والنفسية تصميم برامج للصحة العامة والتأهيل والصحة النفسية، فيما تقدم كليات الزراعة والعلوم حلولًا لمشكلات المياه والغذاء والبيئة. وبهذا تتحول المعرفة الأكاديمية إلى خدمة وطنية ذات قيمة.

كما ينبغي نقل البحث العلمي من قياس عدد المنشورات إلى قياس أثرها في معالجة مشكلات الدولة والمجتمع. ويمكن إنشاء أجندة وطنية للبحث التطبيقي تعرض فيها الوزارات والقطاعات الاقتصادية تحدياتها أمام الجامعات، فتتحول البحوث إلى أدوات لصناعة القرار، لا مجرد متطلبات للترقية الأكاديمية.

أما الاستدامة المالية، فلا يمكن أن تبقى رهينة الرسوم والبرنامج الموازي؛ لأن ذلك يجعل الجامعة مرتبطة بتقلب أعداد الطلبة، وقد يدفعها إلى التوسع في القبول أو فتح برامج لا تنسجم مع احتياجات سوق العمل. والمطلوب نموذج مالي متنوع يقوم على التعليم المستمر، والبرامج المهنية، والتدريب التنفيذي، واستقطاب الطلبة الدوليين، والاستشارات، والبحوث التعاقدية، وتسويق الملكية الفكرية. ولا يعني ذلك تحويل الجامعة إلى مؤسسة تجارية، بل حماية رسالتها الأكاديمية من الارتهان لمصدر دخل واحد، وتمكينها من تمويل البحث العلمي والمنح والبنية التحتية بصورة أكثر استدامة.

ويمكن تحويل مراكز التدريب الموسمية إلى أكاديميات دائمة لتأهيل موظفي القطاعين العام والخاص في الإدارة، والتحول الرقمي، واللغة، والصحة، والسلامة المهنية، مع اعتماد الجامعات الرسمية منصة وطنية للتدريب في المجالات التي تمتلك فيها ميزة تنافسية، بما يحقق التكامل بينها بدل التكرار.

ومن الضروري كذلك إنشاء أذرع استثمارية مستقلة لإدارة الأصول والمرافق والسكن الطلابي والمؤتمرات والخدمات الطبية والتقنية وتسويق الابتكارات، وفق قواعد حوكمة واضحة، وفصل كامل بين القرار الأكاديمي والإدارة الاستثمارية، على أن توجه عوائدها إلى البحث العلمي، والبنية التحتية، والمنح الطلابية. كما ينبغي ألا تتحول هذه الأذرع إلى عبء إداري جديد، بل تخضع لتقييم دوري، ويوقف أي نشاط لا يحقق قيمة علمية أو تنموية أو مالية قابلة للقياس.

وإلى جانب الاستثمار، تستحق الأوقاف الجامعية أن تتحول إلى مسار مؤسسي دائم، لا إلى تبرعات موسمية. فالأصل الوقفي يُحفظ، ويُنفق من عائده على المنح، والكراسي الأكاديمية، والبحث العلمي، ودعم الموهوبين، بما يوفر موردًا مستدامًا، ويعيد ربط الخريجين ومؤسسات القطاع الخاص بجامعاتهم.

ولا ينبغي أن يبقى دور الجامعة محصورًا داخل أسوارها. فالجامعة الموجودة في منطقة زراعية يفترض أن ترتبط بالمزارعين والصناعات الغذائية، والقريبة من منطقة صناعية يمكن أن تقدم الفحوص المخبرية والتدريب الفني والاستشارات، أما الجامعة الموجودة في منطقة سياحية فتستطيع تطوير برامج الضيافة والتسويق والخدمات السياحية. ومن خلال الحاضنات الجامعية، والمختبرات المفتوحة للشركات الصغيرة، والبرامج المهنية المرتبطة بفرص العمل، تصبح الجامعة شريكًا في التنمية المحلية، ويصبح أثرها في المحافظة جزءًا من مؤشرات تقييمها.

كما تحتاج الجامعات إلى منصات رقمية وإذاعات معرفية واستوديوهات تعليمية تعرض أبحاثها، وتفسر القضايا الوطنية، وتقدم برامج تدريبية مفتوحة أو مدفوعة. فحضور الجامعة في المجال العام يعزز قوتها المعرفية، ويجعل الأستاذ الجامعي أكثر ارتباطًا بقضايا المجتمع.

ويبقى الاستثمار في الإنسان أساس أي إصلاح. فمكانة الأستاذ الجامعي، وكفاءة الموظف الإداري، واستقرار بيئة العمل ليست مطالب فئوية، بل شروطًا لجودة التعليم والبحث والإنتاج. ولا يعني ذلك زيادة النفقات بلا ضوابط، وإنما إعادة ترتيب الأولويات، وربط الحوافز بالأداء، وتشجيع من يجلب مشروعًا بحثيًا، أو شراكة، أو براءة اختراع، أو موردًا جديدًا للجامعة.

وفي مقدمة الملفات التي تستحق معالجة مؤسسية متوازنة، حقوق أعضاء هيئة التدريس والموظفين المرتبطة بالبرنامج الموازي، بما يحقق العدالة والشفافية، ويحافظ في الوقت ذاته على الاستدامة المالية للجامعات، بعيدًا عن المعالجات الجزئية أو ردود الأفعال.

وفي المقابل، ينبغي أن يرتبط أي دعم حكومي بخطة إصلاح معلنة، ومؤشرات أداء، وجدول زمني، ونتائج قابلة للمراجعة، بحيث يصبح التمويل شراكة في الإصلاح، لا معالجة مؤقتة للعجز. ويمكن البدء بثلاثة مسارات ذات أثر مباشر: إعداد ملف تشخيص لكل جامعة، وتفعيل دورها بوصفها بيت خبرة وطنيًا، وربط جزء من الدعم الحكومي بمؤشرات أداء واضحة، على أن يجري التوسع تدريجيًا في بقية المسارات.

وتحتاج هذه الرؤية إلى استراتيجية وطنية تمتد لعشر سنوات، تُبنى بالشراكة مع الجامعات، وتحافظ على استقلالها الأكاديمي والإداري، وتحدد لكل جامعة مجالات تميزها، وأولوياتها البحثية، ومصادر دخلها، ومؤشرات أدائها، مع تقرير سنوي يبين ما تحقق، وما تعثر، وأسباب التعثر. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الأفكار، بل في غياب الإطار الذي يجمعها، ويحولها إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس.

وفي هذا السياق، يُسجل لمعالي الأستاذ الدكتور عادل الطويسي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، ما أثاره من نقاش حول عدد من قضايا الجامعات الرسمية، وفي مقدمتها ملف حقوق أعضاء هيئة التدريس والموظفين المرتبط بالبرنامج الموازي، وهو نقاش أعاد تسليط الضوء على قضية تستحق الدراسة المؤسسية الهادئة بعيدًا عن ردود الأفعال.

كما يستحق برنامج «صوت المملكة»، الذي يقدمه الإعلامي القدير الأستاذ عامر الرجوب، وضيوفه الكرام، الشكر والتقدير على إتاحة مساحة لحوار وطني مسؤول تناول مستقبل الجامعات الرسمية بمهنية وموضوعية. فالدول تتقدم عندما تتحول قضاياها الاستراتيجية إلى حوار مؤسسي يجمع أصحاب الخبرة والرأي، ويبحث عن حلول قابلة للتطبيق، قائمة على الأدلة، بما يخدم الدولة والجامعة والمجتمع معًا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم