أثار النقاش الذي شهده مجلس النواب قبل أيام بشأن استمرار مجالس أمناء الجامعات الأردنية الحكومية بعد انتهاء مدتها القانونية دون إعادة تشكيلها أو تجديد عضويتها، تساؤلات حول مدى مشروعية القرارات التي قد تصدر عنها خلال الفترة القادمة، وما إذا كانت هذه المجالس قد فقدت ولايتها القانونية بانقضاء المدة المحددة لها.
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن تأخر إعادة تشكيل مجالس الأمناء يعود إلى خضوع قانون الجامعات الأردنية لتعديلات جوهرية ليتوافق مع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 الذي أقره مجلس النواب نفسه، ويجري حاليا مناقشة مشروع تعديل قانون الجامعات لتنفيذ أحكامه. لذلك، لا يبدو هذا الجدل تحت قبة المجلس منسجما مع الواقع التشريعي، إذ يدرك النواب أن استمرار المجالس الحالية فرضته المرحلة الانتقالية، ومن ثم فإن التشكيك في مشروعية استمرارها يفتقر إلى السند التشريعي، ويثير دون مبرر الشك في مشروعية قرارات الجامعات واستقرارها المؤسسي.
والأصل أن تلتزم كل هيئة بالمدة التي حددها القانون لولايتها، وأن تنتهي صفتها القانونية بانقضاء هذه المدة، ما لم يصدر قرار بإعادة تشكيلها أو تجديد عضويتها. وبالنسبة لمجالس أمناء الجامعات الحكومية، فإنها تعين لمدة أربع سنوات، وتنتهي ولايتها بانقضاء هذه المدة، ولا يجوز لها - كقاعدة عامة - الاستمرار في ممارسة اختصاصاتها بصورة تلقائية، لأن إعادة التشكيل أو التجديد لا يكونان إلا بقرار جديد من الجهة المختصة.
إلا أنه في الظروف التشريعية الحالية، المتمثلة بخضوع القانون المنظم لتشكيل مجالس الأمناء للمراجعة التشريعية، فإن انتهاء ولايتها القانونية لا ينبغي أن يفهم على أنه يؤدي تلقائيا إلى توقفها عن ممارسة اختصاصاتها أو بطلان ما يصدر عنها من قرارات. فالجامعات الرسمية تعد من المرافق العامة التي تقدم خدمة التعليم، وهي من الخدمات الأساسية التي يجب أن تستمر بانتظام واطراد، وهو مبدأ مستقر في القانون الإداري. ومن ثم، لا يجوز أن يؤدي تأخر إعادة تشكيل المجالس إلى تعطيل شؤون الجامعات أو إحداث فراغ مؤسسي يؤثر في انتظام العملية التعليمية والإدارية.
ومن هنا تبرز نظرية الموظف الفعلي، وهي من النظريات المستقرة في الفقه والقضاء الإداري، ومؤداها أن الأعمال التي تصدر عن شخص أو هيئة عامة تستمر في ممارسة اختصاصاتها بصورة ظاهرة أمام الكافة، رغم وجود عيب في سندها القانوني أو انتهاء مدة ولايتها، تعد صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، ما دام أن استمرارها يهدف إلى ضمان سير المرفق العام وعدم تعطيل الخدمات العامة التي يقدمها.
وقد استقر القضاء الإداري الأردني على الأخذ بهذه النظرية في العديد من أحكامه؛ إذ سبق لمحكمة العدل العليا أن قضت بأن انتهاء مدة المجالس القروية لا يمنعها من الاستمرار في أداء مسؤولياتها إلى حين تعيين مجالس جديدة، وأن هذه المجالس لا تستطيع التخلي عن مسؤولياتها ما دام لم يصدر قرار بتعيين مجالس أخرى لتحل محلها، مؤكدة أن الأعمال الصادرة عنها خلال هذه الفترة تعد صحيحة، إعمالا لمبدأ استمرارية المرافق العامة ومنعا لتعطيل مصالح المواطنين.
وعليه، يمكن القياس على هذا الاجتهاد القضائي بالنسبة لمجالس أمناء الجامعات الحكومية لوحدة العلة. فمجلس الأمناء هيئة إدارية أنشأها القانون، وتمارس اختصاصات جوهرية تتصل بإدارة الجامعات، من بينها إقرار السياسات العامة، وتعيين عمداء الكليات، والموافقة على استحداث البرامج والتخصصات الأكاديمية، وإقرار سياسات القبول والأعداد المقترحة للطلبة، وهي صلاحيات لا تحتمل التعطيل أو التأجيل لمدد غير معلومة، لما يترتب على ذلك من آثار مباشرة في سير عمل الجامعات.
كما أن الأخذ بنظرية الموظف الفعلي لا يهدف إلى إضفاء مشروعية دائمة على استمرار أعضاء مجالس الأمناء في مناصبهم، ولا يعني أن عضويتهم قد جددت تلقائيا أو أن الحكومة أصبحت في حل من واجب إعادة تشكيلهم، وإنما يهدف إلى حماية المصلحة العامة وضمان استمرار المرافق العامة في أداء وظائفها. فهذه النظرية استثنائية بطبيعتها، ولا تنشئ ولاية قانونية جديدة، وإنما تقتصر على إضفاء المشروعية على القرارات الإدارية الصادرة خلال الفترة الانتقالية التي فرضتها مقتضيات المصلحة العامة.
ولذلك، تبقى الحكومة ملزمة بإعادة تشكيل مجالس الأمناء فور إقرار التعديلات على قانون الجامعات الأردنية ودخولها حيز النفاذ، مع بقاء القرارات التي تصدرها المجالس الحالية خلال هذه المرحلة الانتقالية صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، وذلك تحقيقا للتوازن بين احترام مبدأ المشروعية وضمان حسن سير الجامعات الرسمية وانتظام عملها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن تأخر إعادة تشكيل مجالس الأمناء يعود إلى خضوع قانون الجامعات الأردنية لتعديلات جوهرية ليتوافق مع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 الذي أقره مجلس النواب نفسه، ويجري حاليا مناقشة مشروع تعديل قانون الجامعات لتنفيذ أحكامه. لذلك، لا يبدو هذا الجدل تحت قبة المجلس منسجما مع الواقع التشريعي، إذ يدرك النواب أن استمرار المجالس الحالية فرضته المرحلة الانتقالية، ومن ثم فإن التشكيك في مشروعية استمرارها يفتقر إلى السند التشريعي، ويثير دون مبرر الشك في مشروعية قرارات الجامعات واستقرارها المؤسسي.
والأصل أن تلتزم كل هيئة بالمدة التي حددها القانون لولايتها، وأن تنتهي صفتها القانونية بانقضاء هذه المدة، ما لم يصدر قرار بإعادة تشكيلها أو تجديد عضويتها. وبالنسبة لمجالس أمناء الجامعات الحكومية، فإنها تعين لمدة أربع سنوات، وتنتهي ولايتها بانقضاء هذه المدة، ولا يجوز لها - كقاعدة عامة - الاستمرار في ممارسة اختصاصاتها بصورة تلقائية، لأن إعادة التشكيل أو التجديد لا يكونان إلا بقرار جديد من الجهة المختصة.
إلا أنه في الظروف التشريعية الحالية، المتمثلة بخضوع القانون المنظم لتشكيل مجالس الأمناء للمراجعة التشريعية، فإن انتهاء ولايتها القانونية لا ينبغي أن يفهم على أنه يؤدي تلقائيا إلى توقفها عن ممارسة اختصاصاتها أو بطلان ما يصدر عنها من قرارات. فالجامعات الرسمية تعد من المرافق العامة التي تقدم خدمة التعليم، وهي من الخدمات الأساسية التي يجب أن تستمر بانتظام واطراد، وهو مبدأ مستقر في القانون الإداري. ومن ثم، لا يجوز أن يؤدي تأخر إعادة تشكيل المجالس إلى تعطيل شؤون الجامعات أو إحداث فراغ مؤسسي يؤثر في انتظام العملية التعليمية والإدارية.
ومن هنا تبرز نظرية الموظف الفعلي، وهي من النظريات المستقرة في الفقه والقضاء الإداري، ومؤداها أن الأعمال التي تصدر عن شخص أو هيئة عامة تستمر في ممارسة اختصاصاتها بصورة ظاهرة أمام الكافة، رغم وجود عيب في سندها القانوني أو انتهاء مدة ولايتها، تعد صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، ما دام أن استمرارها يهدف إلى ضمان سير المرفق العام وعدم تعطيل الخدمات العامة التي يقدمها.
وقد استقر القضاء الإداري الأردني على الأخذ بهذه النظرية في العديد من أحكامه؛ إذ سبق لمحكمة العدل العليا أن قضت بأن انتهاء مدة المجالس القروية لا يمنعها من الاستمرار في أداء مسؤولياتها إلى حين تعيين مجالس جديدة، وأن هذه المجالس لا تستطيع التخلي عن مسؤولياتها ما دام لم يصدر قرار بتعيين مجالس أخرى لتحل محلها، مؤكدة أن الأعمال الصادرة عنها خلال هذه الفترة تعد صحيحة، إعمالا لمبدأ استمرارية المرافق العامة ومنعا لتعطيل مصالح المواطنين.
وعليه، يمكن القياس على هذا الاجتهاد القضائي بالنسبة لمجالس أمناء الجامعات الحكومية لوحدة العلة. فمجلس الأمناء هيئة إدارية أنشأها القانون، وتمارس اختصاصات جوهرية تتصل بإدارة الجامعات، من بينها إقرار السياسات العامة، وتعيين عمداء الكليات، والموافقة على استحداث البرامج والتخصصات الأكاديمية، وإقرار سياسات القبول والأعداد المقترحة للطلبة، وهي صلاحيات لا تحتمل التعطيل أو التأجيل لمدد غير معلومة، لما يترتب على ذلك من آثار مباشرة في سير عمل الجامعات.
كما أن الأخذ بنظرية الموظف الفعلي لا يهدف إلى إضفاء مشروعية دائمة على استمرار أعضاء مجالس الأمناء في مناصبهم، ولا يعني أن عضويتهم قد جددت تلقائيا أو أن الحكومة أصبحت في حل من واجب إعادة تشكيلهم، وإنما يهدف إلى حماية المصلحة العامة وضمان استمرار المرافق العامة في أداء وظائفها. فهذه النظرية استثنائية بطبيعتها، ولا تنشئ ولاية قانونية جديدة، وإنما تقتصر على إضفاء المشروعية على القرارات الإدارية الصادرة خلال الفترة الانتقالية التي فرضتها مقتضيات المصلحة العامة.
ولذلك، تبقى الحكومة ملزمة بإعادة تشكيل مجالس الأمناء فور إقرار التعديلات على قانون الجامعات الأردنية ودخولها حيز النفاذ، مع بقاء القرارات التي تصدرها المجالس الحالية خلال هذه المرحلة الانتقالية صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية، وذلك تحقيقا للتوازن بين احترام مبدأ المشروعية وضمان حسن سير الجامعات الرسمية وانتظام عملها.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات