محمد براهمه يكتب: حجية الأحكام القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات : قراءة في الواقعة الدستورية الراهنة

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 10367
محمد براهمه يكتب: حجية الأحكام القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات : قراءة في الواقعة الدستورية الراهنة
محمد يوسف موسى براهمه

محمد يوسف موسى براهمه

تُعد استقلالية السلطة القضائية ركيزة أساسية من ركائز دولة القانون والمؤسسات، وضمانة لا غنى عنها لتحقيق العدالة وصيانة الحقوق والحريات . وفي هذا السياق ، نص الدستور الأردني في المادة (97) منه على مبدأ جوهري مفاده أن : "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون." هذا النص الدستوري لا يؤسس فحسب لاستقلال القضاء، بل يؤكد أيضاً أن المرجع الوحيد للقاضي في إصدار أحكامه هو القانون، بعيداً عن أي تأثير أو ضغط من أي جهة كانت . تتجلى أهمية هذا المبدأ في الوقائع الدستورية الراهنة ، حيث صدر مؤخراً حكم قضائي قطعي بحق أحد أعضاء مجلس النواب ، يقضي بحبسه لمدة سنتين على خلفية قضية مشاجرة. وقد اكتسب هذا الحكم الدرجة القطعية ، مما يجعله واجب النفاذ وغير قابل للطعن بالطرق العادية . وبالنظر إلى الأثر الدستوري المترتب على هذا الحكم، فإن المادة (75/1/د) من الدستور الأردني تنص بوضوح على أنه لا يكون عضواً في مجلسي الأعيان والنواب : "من كان محكوماً عليه بالحبس مدة تزيد على سنة واحدة بجريمة غير سياسية ولم يُعفَ عنه." بناءً على ذلك ، يترتب الأثر الدستوري المتمثل في فقدان العضوية النيابية بحكم القانون ذاته ، وبمجرد تحقق شروط النص الدستوري . هذا الأثر لا يتوقف على قرار أو تصويت من مجلس النواب ، بل هو تطبيق مباشر لنص دستوري صريح وتنفيذ لحكم قضائي قطعي . وتأكيداً لهذا المبدأ ، أصدرت الهيئة المستقلة للانتخاب قراراً بملء المقعد الشاغر بالمرشح الذي يليه في القائمة ، وهو السيد بكر الكساسبة ، وذلك وفقاً للأحكام المنظمة في قانون الانتخاب . في المقابل ، شهدت الساحة السياسية عقد دورة استثنائية لمجلس الأمة ، استناداً إلى المادة (82) من الدستور، التي تحدد أعمال المجلس خلالها بالموضوعات المحددة في الإرادة الملكية السامية . وتشدد الفقرة الثالثة من المادة ذاتها على أنه: " لا يجوز لمجلس الأمة أن يبحث في أية دورة استثنائية إلا في الأمور المعينة في الإرادة الملكية التي انعقدت تلك الدورة بمقتضاها. "هنا يبرز تساؤل قانوني مشروع حول الجدوى من إثارة نقاشات تحت قبة البرلمان بخصوص حكم قضائي قطعي وآثاره الدستورية . وهل ينسجم هذا النقاش مع مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، أم أنه قد يُفهم على أنه تدخل في شأن حسمه الدستور والقانون بشكل لا يقبل التأويل ؟ إن احترام مبدأ الفصل بين السلطات يقتضي أن تمارس كل سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) اختصاصاتها ضمن الحدود التي رسمها الدستور ، دون المساس باختصاصات السلطات الأخرى . فالأحكام القضائية القطعية تتمتع بحجية مطلقة وتكون واجبة الاحترام والتنفيذ ، ولا ينبغي أن تكون محلاً لنقاش سياسي داخل المؤسسة التشريعية . إن مثل هذه النقاشات قد تثير تساؤلات حول استقلال السلطة القضائية، أو توحي بإمكانية التأثير في الآثار القانونية والدستورية المترتبة على أحكامها . لا شك أن لكل نائب الحق في إبداء رأيه والتعبير عن وجهة نظره ، وهو حق دستوري مكفول . إلا أن ممارسة هذا الحق يمكن أن يتم عبر العديد من منصات التواصل الاجتماعي ، بعيداً عن قاعة المجلس ، خاصة عندما يكون موضوع النقاش متعلقاً بحكم قضائي نهائي وآثار دستورية حسمها النص القانوني بصورة واضحة لا لبس فيها .إن صيانة هيبة القضاء، واحترام حجية الأحكام القضائية، واإن احترام مبدأ الفصل بين السلطات يقتضي أن تمارس كل سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية) اختصاصاتها ضمن الحدود التي رسمها الدستور، دون المساس باختصاصات السلطات الأخرى. فالأحكام القضائية القطعية تتمتع بحجية مطلقة وتكون واجبة الاحترام والتنفيذ، ولا ينبغي أن تكون محلاً لنقاش سياسي داخل المؤسسة التشريعية. إن مثل هذه النقاشات قد تثير تساؤلات حول استقلال السلطة القضائية، أو توحي بإمكانية التأثير في الآثار القانونية والدستورية المترتبة على أحكامها.لا شك أن لكل نائب الحق في إبداء رأيه والتعبير عن وجهة نظره، وهو حق دستوري مكفول. إلا أن ممارسة هذا الحق يمكن أن تتم عبر العديد من المنصات والوسائل العامة المتاحة، بعيداً عن قاعة المجلس، خاصة عندما يكون موضوع النقاش متعلقاً بحكم قضائي نهائي وآثار دستورية حسمها النص القانوني بصورة واضحة لا لبس فيها . إن صيانة هيبة القضاء ، واحترام حجية الأحكام القضائية ، والالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات ، ليست مجرد مبادئ دستورية نظرية ، بل هي ركائز أساسية تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات . وهي في جوهرها ضمانة لاستقرار النظام الدستوري، وتعزيز للثقة العامة في منظومة العدالة ، وحماية لمبدأ سيادة القانون الذي يعلو ولا يُعلى عليه .
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم