الحضانة ليست للأم ولا للأب... بل للطفل الطفل ليس غنيمة طلاق د أحلام ناصر عندما يطلق زوجان، لا ينتهي الزواج وحده، بل يبدأ طفل بخسارة أحد والديه، رغم أن كليهما ما يزال على قيد الحياة، ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يتكرر في كل قضية طلاق، مع من تكون الحضانة؟ وكأن الطفل شيء يجب أن نحدد مكانه، لا إنسانًا يجب أن نحمي مستقبله، وربما هنا تكمن المشكلة، لأننا ننطلق من حقوق الكبار، بينما نتجاهل احتياجات الصغار. فالطفل ليس جائزة ينتصر بها أحد، وليس تعويضًا عن علاقة انتهت، وليس ورقة ضغط في نزاع بين والدين، إنه إنسان، وله حق أصيل في الاستقرار، وفي أن يبقى أبوه أبًا، وأمه أمًا، حتى وإن لم يعودا زوجين. المفارقة أننا نطالب الطفل بعد الطلاق بما لا نطالب به أي إنسان بالغ، نتوقع منه أن يتأقلم مع بيتين، وسريرين، وقواعد مختلفة، وأعياد مقسومة، وحنين لا يعرف كيف يعبّر عنه، ثم نصفق له إذا بدا متماسكًا، بينما الحقيقة أنه كان يحاول فقط ألا يخسر أحد والديه. نحن نتحدث كثيرًا عن حق الأم، وحق الأب، لكننا نادرًا ما نتحدث عن حق الطفل، فالطفل لا يسأل أين تنتهي الحضانة قانونًا، بل يسأل ويهمه، أين سأستيقظ غدًا؟ ومن سيأخذني إلى المدرسة؟ ومن سيحضر مباراتي أو حفل تخرجي؟ ومن سيطمئن عليّ عندما أمرض؟ هذه الأسئلة البسيطة هي التي تشكل شعوره بالأمان، وهي أهم بكثير من أي معركة قانونية تدور حوله. واحتياجات الطفل لا تشبه احتياجات البالغين، بل تتغير مع كل مرحلة عمرية، فالرضيع يحتاج إلى ارتباط آمن ورعاية مستقرة، وطفل المدرسة يحتاج إلى روتين واضح وشعور بالاستقرار، أما المراهق فيحتاج إلى وجود الأب والأم معًا كمرجع ودعم في مرحلة تتشكل فيها هويته، لكن ما يجمع كل هذه المراحل حقيقة واحدة، وهي أن الطفل يحتاج إلى والديه، لا إلى أحدهما فقط. ولهذا، تتجه الدراسات الحديثة إلى التأكيد على أن الأطفال يحققون نتائج نفسية واجتماعية وتعليمية أفضل عندما يحافظون على علاقة مستقرة وذات معنى مع كلا الوالدين بعد الانفصال، شريطة أن تكون العلاقة آمنة وخالية من العنف والإساءة، وأن يكون التعاون بين الوالدين قائمًا على مصلحة الطفل لا على تصفية الحسابات. لذلك، بدأت دول عديدة تعيد النظر في مفهوم الحضانة التقليدي، وانتقلت من سؤال هو من يأخذ الطفل؟ إلى سؤال أكثر نضجًا يدور حول كيف نحافظ على دور الأب والأم معًا في حياة الطفل؟ حتى إن بعض التجارب أبقت الطفل في منزله، بينما يتناوب الوالدان على رعايته، ليس لأن هذا النموذج يصلح للجميع، بل لأنه انطلق من مبدأ بسيط وهو الكبار هم من قرروا الانفصال، فلا يجوز أن يكون الطفل هو من يدفع ثمنه. ولست أدعو إلى انتزاع طفل من أمه، ولا إلى تهميش دور الأب، بل إلى تغيير السؤال كله، أن ننتقل من التفكير فيمن يستحق الحضانة، إلى التفكير فيما يستحقه الطفل، أن نبني نظامًا يضع مصلحته أولًا، ويحافظ على استقراره، ويضمن استمرار الأبوة والأمومة معًا كلما كان ذلك ممكنًا وآمنًا، بحيث تبقى التربية مسؤولية مشتركة، لا أن يتحول أحد الوالدين إلى المربي الوحيد، والآخر إلى زائر أو ممول. وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال، مع من تكون الحضانة؟ ونبدأ بسؤال أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية، كيف نضمن ألا يخسر الطفل أحد والديه... حتى لو خسر والداه زواجهما؟ القضية ليست أن ينتصر الأب، ولا أن تنتصر الأم، بل ألا يُهزم الطفل، فالطفولة لا تُقاس بعدد أيام الحضانة، بل بعدد الأيام التي يشعر فيها الطفل أنه محبوب وآمن، وأن أمه ما زالت أمه، وأباه ما زال أباه، وعندما نجبر طفلًا على أن يعيش نصف أبوة أو نصف أمومة، فإننا لا نوزع الحضانة، بل نوزع الخسارة، فالطلاق يجب أن ينهي علاقة زوجية، لا علاقة أب بابنه، ولا أم بابنتها، وإذا كان لا بد أن يخسر أحد في الطلاق، فلا يجوز أن يكون الطفل هو الخاسر الدائم، فهو لم يختر الانفصال، ولم يشارك في أسبابه، لكنه غالبًا من يدفع ثمنه كاملًا، ولهذا، فإن أي نظام حضانة لا يبدأ من احتياجات الطفل النفسية والعاطفية والنمائية، ولا ينتهي بحقه في الاستقرار وعلاقة صحية مع والديه، هو نظام يستحق أن نعيد التفكير فيه، لأن الطفل ليس غنيمة طلاق... بل مستقبل مجتمع بأكمله
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات