عباقرة "الأسئلة المستحيلة".. هل يعجزكم فكّ طلاسم "التوجيهي"؟ نص المقال: بينما تنشغل مطابخ القرار التربوي سنويًا بإثبات "فحولة" المناهج، وصياغة أسئلة امتحانية يبدو أنها كُتبت بأقلامٍ قادمة من المريخ، يقف المجتمع الأردني بأسره على حافة الهاوية. نتابع بدهشة كيف تفتق تفتقاً مذهلاً عقولُ واضعي الأسئلة لابتكار "أفخاخٍ" عجزت عنها أمهات الكتب، ثم نسأل بمرارة: كيف لعقول تملك كل هذه القدرة على التفنن في التعجيز، أن تقف مشلولة عاجزة عن ابتكار مخرجٍ حقيقي، وحلٍّ جذري لمعضلة التوجيهي التي لا تنتهي؟ لماذا نملك عباقرة لصناعة اليأس، ولا نملك عبقرياً واحداً يصنع لنا صمام أمانٍ ينقذ أرواحاً تتوق للفرح؟ لم يعد التوجيهي مجرد مرحلة دراسية، بل تحول إلى ثقب أسود يلتهم جيوب العائلات وصحتها النفسية. كلنا يدرك الحقيقة المرة التي نغض الطرف عنها: المدارس الحكومية أفرغت من محتواها التعليمي الحقيقي، والاعتماد الكلي بات على جيوش المراكز، والبطاقات، والمكثفات، والدروس الخصوصية. أصبح الطالب في هذه السنتين يكلّف عائلته مبالغ توازي دراسة تخصص "الموازي" في الجامعات، بل تفوقه أحياناً. وحين تصبح المدرسة الخاصة العريقة هي الممر الوحيد الآمن للنجاح، يجد الآباء أنفسهم مدفوعين دفعاً إلى بوابات البنوك، يقترضون ويحملون على كواهلهم ديوناً لسنوات طويلة، فقط ليضمنوا ألا يسقط أبناؤهم في مصيدة العبور. أما المشهد الإنساني أمام مراكز الامتحانات، فهو تراجيديا بحد ذاته. أمهاتٌ يذرفن الدموع تحت أشعة شمس لاهبة، يفترشن الأرصفة بقلوبٍ مرتجفة، وآباءٌ تلمح في وجوههم المنكمشة توتراً صامتاً وخوفاً مبطناً يكاد ينفجر مع كل دقيقة تمر. يقف الأب بصلابة مصطنعة، ليكون الجدار الذي يستند إليه ابنه عند الخروج، يربت على كتفه بعبارة "المهم التركيز على القادم"، بينما يغلي في صدره قهر دفين يقتل في هذا الشاب كل روح تتوق للحياة. ثم تأتي لحظة الانتظار الطويل، والتلاعب بالمواعيد، والأعصاب المشدودة التي لا نملك معها إلا أن نتحسس قلوبنا؛ فكم من روح صعدت بسكتة أو جلطة قلبية لم تحتمل ثقل الانتظار! لم يعد الأمر ترفاً أكاديمياً، لقد وصلنا إلى مراحل مخيفة ومتقدمة من المرض النفسي، وحالات الانتحار، والبيوت التي يسكنها الحزن والخراب المادي والمعنوي. رسالتنا اليوم ليست استعطافاً، بل هي نداء إلى كل عقل مفكر في هذا الوطن: لا نريد منكم عبقرياً يثبت تفوقه بكتابة أسئلة مستحيلة تعجز الطلبة وتفقد الصغار ثقتهم بأنفسهم. نريد عبقرياً شجاعاً، يطرح حلاً جذرياً يفكك هذا الكابوس الوطني. نريد حلاً يستحق واضعه "وساماً من الدرجة الأولى"؛ حل يرجع السكينة إلى بيوتنا، ويوفر أموالنا المستنزفة، ويعيد هداة البال لأمهات وآباء أنهكهم الخوف. إلى متى سنبقى نبحث عن حلول مؤقتة ووجوهنا تتجه صوب الحائط المسدود؟ وإلى متى سيبقى قهر "التوجيهي" سيد الموقف؟ لقد آن الأوان لتستيقظ عقولنا النيرة، فتبني وطناً ينجح فيه أبناؤنا بالحب والعلم، لا بالديون والخوف والقهر.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات