الدكتور علي الصلاحين يكتب: قلّل ناسك .. ترتاح راسك

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 18639
الدكتور علي الصلاحين يكتب: قلّل ناسك ..  ترتاح راسك
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

قلّل ناسك... ترتاح راسك. الدكتور علي الصلاحين ليست عبارة عابرة يتداولها الناس، بل خلاصة تجارب إنسانية أثبتت أن أكثر ما يُرهق الإنسان ليس كثرة الأعمال، وإنما كثرة العلاقات غير المتوازنة. فهناك أشخاص لا يحملون إليك سوى الضجيج، ويستنزفون وقتك، ويبددون طاقتك، ويتركون في نفسك من التعب ما لا تتركه أصعب الظروف. العلاقات الإنسانية ليست أرقامًا تُضاف إلى قائمة المعارف، وإنما قيمٌ تُقاس بما تمنحه من سكينة، وما تبنيه من ثقة، وما تزرعه من أمل. لذلك فإن العلاقة التي لا تزيدك علمًا، أو خُلُقًا، أو راحةً، أو نجاحًا، تستحق أن تُراجع، لأن بقاءها قد يكون خسارة صامتة لا يشعر بها الإنسان إلا بعد سنوات. ليس كل من يبتسم لك صديقًا، وليس كل من يقترب منك يريد لك الخير. فهناك من يعيش على إثارة المشكلات، ومن يتغذى على نقل الكلام، ومن لا يهنأ إلا إذا رأى غيره قلقًا أو مترددًا أو منكسرًا. وهؤلاء قد يكون ضررهم على النفس والعقل أكبر من ضرر الخصومة الصريحة، لأنهم يلبسون أقنعة الود وهم يحملون في داخلهم الاستنزاف. ومن علامات نضج الإنسان أن يدرك أن الحفاظ على راحة البال ليس أنانية، بل ضرورة. وأن الانسحاب من علاقة مؤذية ليس ضعفًا ولا قطيعة، بل قرار حكيم يحمي الكرامة، ويصون النفس، ويمنح العقل فرصة للإبداع والإنجاز. فالإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبلًا مشرقًا وهو يجر خلفه علاقات تُثقله وتستهلك طاقته. ولا يعني ذلك أن نعتزل الناس أو نتخلى عن قيم التسامح وصلة الرحم والإحسان، فديننا يدعو إلى حسن الخلق، لكنه لا يطالبنا بالبقاء أسرى لكل علاقة تستنزفنا. فالفرق كبير بين الإحسان إلى الناس، وبين السماح لهم بأن يعبثوا باستقرارنا النفسي أو يعطلوا مسيرة حياتنا. إن أجمل العلاقات هي تلك التي إذا خرجت منها شعرت بأنك أقوى، وأهدأ، وأكثر إيمانًا بنفسك وبالحياة. علاقات تُشجعك إذا تعثرت، وتفرح لنجاحك، وتنصحك بإخلاص، وتحفظ غيابك كما تحفظ حضورك. أما العلاقات التي تُكثر من النقد، وتُقلل من الإنجاز، وتزرع الشك، وتُرهق الروح، فإن تقليلها نعمة، والابتعاد عنها راحة، والاستغناء عنها مكسب. لذلك، لا تجعل معيار نجاحك كثرة من يعرفونك، بل نوعية من يرافقونك. فكم من إنسان عاش بين الجموع وهو وحيد، وكم من آخر اكتفى بقلة صادقة فامتلأت حياته طمأنينةً ورضًا. إن جودة العلاقات هي التي تصنع جودة الحياة، وكلما أحسنت اختيار من حولك، ازددت صفاءً، وهدوءًا، وقدرةً على العطاء. حقًا... قلّل ناسك، ترتاح راسك.
وسوم:
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم