الدكتور علي الصلاحين يكتب: صورة الأب في القرآن الكريم .. بناء الإنسان قبل بناء الأسرة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 14454
الدكتور علي الصلاحين يكتب: صورة الأب في القرآن الكريم .. بناء الإنسان قبل بناء الأسرة
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

صورة الأب في القرآن الكريم........ بناء الإنسان قبل بناء الأسرة. الدكتور علي الصلاحين حين نتأمل صورة الأب في القرآن الكريم، ندرك أن القرآن لم ينظر إليه بوصفه ربَّ أسرةٍ يتولى الإنفاق وتدبير شؤون البيت فحسب، وإنما قدّمه بوصفه صانعًا للإنسان، وحارسًا للقيم، ومهندسًا للأجيال. فالأب في المنظور القرآني ليس مجرد علاقة بيولوجية تربط بين والد وولده، بل هو رسالة ومسؤولية وأمانة، ولذلك جاءت النماذج القرآنية لترسم ملامح الأب الذي يبني العقيدة قبل الشخصية، ويغرس المبادئ قبل المهارات، ويورث أبناءه الإيمان قبل الأموال. ولعل أول ما يلفت النظر أن القرآن الكريم قدّم الأب في مقام المربي أكثر من تقديمه في مقام الآمر، فجعل الحوار لغةً أصيلة في العلاقة بين الآباء والأبناء. ففي قصة إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، لم يتعامل مع ابنه بمنطق السلطة المطلقة، وإنما بمنطق المشاركة والاحترام، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾. إنها مدرسة قرآنية تؤكد أن الأب الناجح لا يربي أبناءه بالقوة وحدها، بل يصنع فيهم القناعة، ويغرس فيهم القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح عن اقتناع وإيمان. كما رسم القرآن صورة الأب الذي يمنح أبناءه الأمل في أحلك الظروف، وهو ما تجسد في شخصية يعقوب عليه السلام. فقد اجتمعت عليه مصائب الفقد والحزن والشيخوخة، ومع ذلك لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلب أبنائه، بل قال لهم: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. وهنا تتجاوز الأبوة مجرد العاطفة إلى صناعة الأمل، فالأب في القرآن هو الذي يزرع الثقة بالله في نفوس أبنائه، ويعلمهم أن المؤمن لا يستسلم للظروف مهما اشتدت. ويبلغ الدور التربوي للأب ذروته في وصايا لقمان لابنه، حيث تبدأ التربية من تصحيح العقيدة، ثم تمتد إلى بناء الضمير، وإقامة العبادة، والتحلي بالأخلاق، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، والصبر، والتواضع، وحسن التعامل مع الناس. وهذا التدرج يكشف عن منهج قرآني متكامل، يجعل الأب مسؤولًا عن بناء العقل والقلب والضمير، لا عن توفير الطعام والكساء وحدهما. ولذلك كانت أولى كلمات لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، لأن إصلاح الإنسان يبدأ من إصلاح صلته بربه. ومن الملامح اللافتة أيضًا أن القرآن قدّم الأب باعتباره قدوة قبل أن يكون واعظًا. فالتربية في القرآن لا تقوم على كثرة التوجيهات بقدر ما تقوم على صدق النموذج. فالأنبياء الذين عرض القرآن سيرتهم كانوا أول الملتزمين بما يدعون إليه، ولذلك كان تأثيرهم في أبنائهم وفي الناس جميعًا أعظم من تأثير الكلمات المجردة. فالابن يتعلم من سلوك أبيه أكثر مما يتعلم من نصائحه، ويقتدي بأفعاله قبل أقواله. ومن جهة أخرى، فإن القرآن يربط مكانة الأب بحق الله تعالى، إذ يقرن الإحسان إلى الوالدين بتوحيده سبحانه، فيقول: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وهذا الاقتران يكشف عن عظمة الدور الذي يؤديه الأب في حفظ الأسرة واستقرار المجتمع، ويؤكد أن احترامه وبره ليس مجرد قيمة اجتماعية، بل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه. ومن اللافت أن القرآن لا يصور الأب إنسانًا معصومًا من المشاعر، بل يظهره محبًا، حزينًا، خائفًا على أبنائه، وداعيًا لهم، وصابرًا على أخطائهم، وهو ما يمنح صورة الأب بعدًا إنسانيًا عميقًا، ويؤكد أن القوة الحقيقية لا تتعارض مع الرحمة، وأن الحزم لا يلغي الحنان، وأن التربية الناجحة تجمع بين العدل والمحبة. إن صورة الأب في القرآن الكريم ليست صورة الرجل الذي يفرض سلطته داخل البيت، وإنما صورة الإنسان الذي يحمل على عاتقه مسؤولية بناء جيل يعرف ربه، ويحسن إلى الناس، ويتمسك بالأخلاق، ويواجه الحياة بالإيمان والصبر. فالأب في القرآن قائدٌ بالقيم، ومربٍ بالحكمة، وقدوةٌ بالفعل، وحارسٌ للضمير، ولذلك فإن أعظم ميراث يتركه لأبنائه ليس ثروةً تجمعها الأيام، وإنما إيمانٌ يهديهم، وأخلاقٌ ترفعهم، وتربيةٌ صالحة تبقى آثارها في الدنيا وتمتد إلى ما بعد رحيله، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...»، ومن أعظمها ولد صالح يدعو له، وهو ثمرة الأبوة الصالحة والتربية الراشدة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم