ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي.
وتكشف الفقرة (أ/1) من المادة (8) عن توجه تشريعي واضح نحو حماية البيانات والمعلومات المتعلقة بوسائل الدفع الإلكتروني أو المستخدمة في تنفيذ المعاملات المالية والمصرفية الإلكترونية. فلم يقتصر التجريم على سرقة الأموال ذاتها، وإنما بدأ من مرحلة الحصول على البيانات أو المعلومات أو استخدامها أو نشرها دون تصريح عن طريق الشبكة المعلوماتية أو نظام المعلومات أو وسيلة تقنية المعلومات. وقد وسع المشرع نطاق الحماية ليشمل جميع وسائل الدفع الإلكتروني، بما في ذلك البطاقات المصرفية والائتمانية والمحافظ الإلكترونية وغيرها من الوسائل الحديثة.
ولم يأت هذا التوسع من فراغ، بل يعكس إدراك المشرع أن الخطر الحقيقي يبدأ غالباً من الوصول غير المشروع إلى البيانات المالية، لأن هذه البيانات تمثل المفتاح الذي يمكن من خلاله الوصول إلى أموال الغير أو خدماتهم المالية. ولذلك قرر المشرع في الفقرة (أ/1) عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (2500) دينار ولا تزيد على (10000) دينار.
ولم يكتفِ المشرع بمعاقبة من يحصل على البيانات أو يستخدمها أو ينشرها، بل انتقل في الفقرة (أ/2) إلى مرحلة أسبق من ذلك، فجرم اصطناع أو إنشاء أو وضع أو تصميم أي وسيلة تقنية أو برنامج معلومات أو أمر برمجي بقصد تسهيل الحصول على تلك البيانات أو المعلومات. ويعكس هذا النص سياسة تشريعية وقائية تهدف إلى مواجهة الخطر قبل وقوعه، إذ إن مجرد إعداد الوسيلة التقنية المخصصة للاعتداء على البيانات المالية يكفي لقيام الجريمة حتى لو لم يتم الحصول على البيانات فعلياً. وقد قرر المشرع لهذه الصورة العقوبة ذاتها المقررة في الفقرة (أ/1) وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من (2500) إلى (10000) دينار.
كما وسعت الفقرة (أ/3) من نطاق الحماية لتشمل من يقبل التعامل ببطاقات مزورة أو مقلدة أو منسوخة أو ببيانات وسائل دفع إلكتروني تم الاستيلاء عليها بطريقة غير مشروعة مع علمه بذلك. فالمشرع لم يكتفِ بملاحقة من قام بالتزوير أو الاستيلاء، وإنما امتدت المسؤولية إلى من يشارك في الاستفادة من هذه الوسائل غير المشروعة وهو عالم بحقيقتها. وقد قرر لهذه الجريمة العقوبة ذاتها المقررة في الفقرتين السابقتين.
أما الفقرة (ب) فقد تناولت مرحلة أكثر خطورة تتمثل في استخدام البيانات أو المعلومات المتحصلة بصورة غير مشروعة للحصول على أموال الغير أو الاستفادة مما تتيحه من خدمات، إلا أن الجاني لم يتمكن من تحقيق النتيجة التي سعى إليها. وفي هذه الحالة شدد المشرع العقوبة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على ثلاث سنوات، والغرامة من (5000) إلى (15000) دينار، تأكيداً لخطورة السلوك الإجرامي حتى وإن لم ينجح في تحقيق غايته.
وتبلغ الحماية الجزائية ذروتها في الفقرة (ج) إذ شدد المشرع العقوبة إذا أسفرت الأفعال المنصوص عليها في الفقرتين السابقتين (أ، ب) عن استيلاء الفاعل أو غيره على مال مملوك للغير أو الاستفادة فعلياً مما تتيحه تلك البيانات أو المعلومات من خدمات. ففي هذه الحالة تصبح العقوبة الحبس مدة ثلاث سنوات، وغرامة لا تقل عن (10000) دينار ولا تزيد على (20000) دينار، وهو تشديد يعكس الفرق بين مجرد محاولة الاعتداء على المال وبين تحقيق النتيجة الإجرامية فعلاً.
إن المادة (8) تجسد فلسفة تشريعية تقوم على أن حماية الأموال الإلكترونية لا تبدأ عند فقدانها، بل تبدأ منذ لحظة استهداف بياناتها أو الوسائل المؤدية إليها. ولهذا أحاط المشرع البيانات والمعلومات المالية بحماية جزائية مشددة، إدراكاً منه بأنها أصبحت تمثل قيمة مالية بحد ذاتها، وأن الاعتداء عليها لا يمس مصالح الأفراد والمؤسسات فقط، وإنما يهدد الثقة التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي والمعاملات المالية الحديثة.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات