امل خضر تكتب: العالم يُباع بالمزاد ومن لا يملك الثمن سيدفع الفاتورة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16421
امل خضر تكتب: العالم يُباع بالمزاد ومن لا يملك الثمن سيدفع الفاتورة
أمل خضر

أمل خضر

لم تعد السياسة فن إدارة الدول بل أصبحت فن إدارة المصالح العابرة للحدود. ولم يعد الاقتصاد مجرد لغة الأرقام بل تحول إلى السلاح الأكثر فتكًا في معارك القرن الحادي والعشرين أما الشعارات التي تتحدث عن العدالة الدولية وحرية الأسواق وحقوق الإنسان فلم يعد كثير منها سوى عناوين أنيقة تُستخدم عندما تخدم المصالح وتُطوى عندما تصبح عبئًا عليها.


العالم لا يعيش أزمة اقتصادية ولا اضطرابًا سياسيًا عابرًا، بل يشهد عملية إعادة توزيع للقوة لم يعرف التاريخ الحديث مثيلًا لها. إنها معركة لا تُخاض على حدود الدول بل داخل البنوك المركزية وأسواق الطاقة وشركات التكنولوجيا، وغرف الاستخبارات الاقتصادية حيث تُصنع القرارات التي تحدد مصير أمم بأكملها.


لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الجيوش وحدها تصنع النفوذ اليوم قد تُسقط عقوبة مالية اقتصادًا وقد يُغيّر قرار في بنك مركزي مسار قارة كاملة وقد تُعيد شريحة إلكترونية رسم ميزان القوى العالمي أكثر مما تفعل حاملة طائرات وهكذا أصبحت القوة تُقاس بما تملكه الدولة من معرفة لا بما تخزنه من ذخيرة.


الصراع الحقيقي ليس بين الشرق والغرب، ولا بين الديمقراطية والاستبداد كما يُسوَّق للرأي العام بل بين من يملك أدوات صياغة النظام العالمي، ومن يُفرض عليه العيش داخله. فالخلافات المعلنة كثيرًا ما تكون ستارًا أما المعركة الحقيقية فهي على التكنولوجيا والطاقة والمياه والممرات البحرية، والعملات والذكاء الاصطناعي، لأنها مفاتيح السيطرة على المستقبل.


وفي الوقت الذي ينشغل فيه كثيرون بمتابعة العناوين اليومية تُعاد كتابة قواعد الاقتصاد العالمي بصمت تُبنى تحالفات جديدة، وتتفكك أخرى وتنتقل مراكز الثقل المالي من مكان إلى آخر بينما يزداد نفوذ الشركات العملاقة حتى باتت ميزانيات بعضها تفوق اقتصادات دول، وأصبح تأثيرها في القرار السياسي يتجاوز حدود البرلمانات والحكومات.


أما الدول النامية فهي تجد نفسها في قلب عاصفة لم تصنعها. تدفع ثمن الحروب وتقلبات الأسواق وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، بينما تتقلص قدرتها على اتخاذ قرار اقتصادي مستقل. ومع كل أزمة جديدة، يزداد اعتمادها على القروض فتدخل دائرة مفرغة يتحول فيها الدين من وسيلة إنقاذ إلى أداة نفوذ.


والأخطر من ذلك أن العالم بدأ ينتقل من عصر احتكار الثروة إلى عصر احتكار المعرفة فمن يمتلك البيانات يمتلك الاقتصاد. ومن يسيطر على الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على توجيه الأسواق، والتأثير في الرأي العام وصناعة القرار وربما إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه.


لهذا فإن السؤال لم يعد من يربح الحرب؟ بل من يكتب قواعد اللعبة قبل أن تبدأ؟ ومن يدرك أن المستقبل لا يُصنع بردود الأفعال بل بالاستثمار في الإنسان والعلم، والابتكار والاقتصاد المنتج، سيكون قادرًا على حماية قراره الوطني مهما اشتدت العواصف.

إن العالم لا يتجه نحو نظام أكثر عدالة بل نحو نظام أكثر براغماتية تُقاس فيه قيمة الدول بما تضيفه إلى معادلة القوة لا بما ترفعه من شعارات. ومن يظن أن الحياد يحميه أو أن الجغرافيا تكفي لضمان الأمن يقرأ المشهد بعين الأمس بينما العالم يتحرك بعقل الغد.

التاريخ لا يرحم المترددين والاقتصاد لا ينتظر المتأخرين والسياسة لا تعترف إلا بمن يمتلك أوراق القوة. أما الدول التي تكتفي بمراقبة التحولات فستكتشف أن مقعد المتفرج هو أول الطريق إلى الخروج من المسرح.

إن ما يجري اليوم ليس إعادة ترتيب للعالم بل إعادة تعريف لمعنى القوة نفسها. وفي هذا العصر لن يبقى في المقدمة إلا من يصنع المستقبل لا من يكتفي بشرحه ولن يكتب التاريخ من يرفع صوته بل من يملك القرار حين يصمت الجميع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم