قراءة في البعد النفسي والبيولوجي للسمنة بعيدًا عن الوعود السريعة
في كل عام تقريبًا، يظهر نظام غذائي جديد يعد بنتائج استثنائية. مرة يكون الحديث عن عجز السعرات الحرارية، ومرة عن المؤشر الغلايسيمي، ثم عن حمية البحر الأبيض المتوسط، أو الكيتو، أو الأنظمة منخفضة الكربوهيدرات، وغيرها من البرامج التي تتنافس على لقب "أفضل رجيم".
ورغم هذا التنوع، لا يزال السؤال نفسه يتكرر في العيادات والمراكز الصحية وبين عامة الناس: لماذا يتوقف نزول الوزن رغم الالتزام؟ ولماذا يعود الوزن بعد انتهاء الحمية؟
الحقيقة أن العلوم الحديثة لم تعد تنظر إلى السمنة باعتبارها مجرد فائض في السعرات الحرارية، بل أصبحت تُعد اضطرابًا معقدًا تتداخل فيه العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والبيئية، وهو ما يفسر اختلاف استجابة الأشخاص للنظام الغذائي نفسه.
ولا شك أن تحقيق عجز في السعرات الحرارية شرط أساسي لفقدان الوزن، كما أن تنظيم الوجبات أو اختيار نمط غذائي معين قد يساعد بعض الأشخاص أكثر من غيرهم. إلا أن هذه الأساليب تمثل جزءًا من الصورة، وليست الصورة كاملة.
ففي السنوات الأخيرة، برزت نماذج علمية تحاول تفسير سبب مقاومة الجسم لفقدان الوزن، من أشهرها مفهوم "نقطة ضبط الوزن" (Set Point Theory)، الذي يفترض أن الدماغ قد يعتبر الوزن المرتفع هو الوزن الذي اعتاد عليه الجسم، فيبدأ بالدفاع عنه عند محاولة إنقاصه. وهناك أيضًا نماذج أخرى، مثل "نقطة الاستقرار" (Settling Point Theory)، التي ترى أن البيئة والعادات اليومية قد تكون العامل الأكبر في تثبيت الوزن. وما يزال البحث العلمي مستمرًا لفهم العلاقة بين هذه النماذج.
وقد دفع هذا التوجه بعض الباحثين إلى اختبار فرضيات جديدة لفهم كيفية استشعار الجسم لوزنه. ففي عدد من الدراسات التجريبية، استُخدمت سترات موزونة تعادل نحو 10–11% من وزن الجسم أثناء المشي أو ممارسة النشاط اليومي، لدراسة ما إذا كان الإحساس بزيادة الحمل الميكانيكي على الجسم قد يؤثر في تنظيم الشهية والوزن. وقد أظهرت النتائج الأولية مؤشرات تستحق الاهتمام، إذ لوحظ لدى بعض المشاركين ميل إلى فقدان جزء من الوزن مقارنة بغيرهم. وانطلقت هذه الأبحاث من فرضية علمية تُعرف باسم "فرضية الجاذبية" (Gravitostat Hypothesis)، والتي تفترض وجود آلية بيولوجية قد تستشعر الحمل الواقع على الجسم وتشارك في تنظيم الوزن. ومع ذلك، فما تزال هذه الفرضية في طور البحث، ولم تصل بعد إلى مستوى الأدلة الكافية لاعتمادها كتوصية علاجية.
ولهذا، عندما يبدأ الوزن بالانخفاض، لا يظل الجسم محايدًا، بل يجري سلسلة من التعديلات الدفاعية؛ فينخفض معدل الأيض الأساسي، ويصبح الجسم أكثر كفاءة في توفير الطاقة، كما تتغير مستويات هرمونات تنظيم الشهية مثل اللبتين والغريلين، فيزداد الشعور بالجوع، ويصبح الاستمرار في الحمية أكثر صعوبة. ويُعرف جزء من هذه الظاهرة باسم التكيف الأيضي (Adaptive Thermogenesis)، وهو أحد أهم أسباب ثبات الوزن بعد فترة من الرجيم.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فالكثير من الأشخاص يقللون حركتهم اليومية تلقائيًا أثناء الحمية دون أن يشعروا. فهم يجلسون أكثر، ويتحركون أقل، ويقل نشاطهم غير الرياضي، وهو ما يعرف علميًا بـ NEAT (Non-Exercise Activity Thermogenesis)، وقد يؤدي وحده إلى انخفاض استهلاك مئات السعرات الحرارية يوميًا.
كما بدأت أبحاث حديثة تهتم بدور الميكروبيوم، أي البكتيريا النافعة في الأمعاء، في تنظيم الشهية والالتهابات واستخلاص الطاقة من الطعام، وهو مجال واعد قد يفسر مستقبلاً اختلاف الاستجابة بين الأشخاص حتى عند اتباع النظام الغذائي نفسه.
أما من الناحية النفسية، فربما تكمن إحدى أكثر الحلقات التي يتم تجاهلها. فليس كل أكل سببه الجوع، بل قد يكون الطعام وسيلة للهروب من التوتر، أو الحزن، أو الوحدة، أو الضغط النفسي، أو حتى مكافأة الذات بعد يوم شاق. ولهذا يتحدث علم النفس السريري عن الأكل العاطفي، وعن صعوبة نجاح أي برنامج غذائي إذا لم يعالج العلاقة النفسية مع الطعام، إلى جانب تحسين مهارات تنظيم الانفعالات وإدارة الضغوط.
ثم تأتي البيئة الاجتماعية لتضيف تحديًا آخر. ففي كثير من مجتمعاتنا، ترتبط المناسبات والضيافة والكرم بوفرة الطعام، ويصبح رفض الأكل تصرفًا غير مألوف اجتماعيًا، مما يجعل الالتزام بنمط غذائي صحي تحديًا يتجاوز الإرادة الفردية.
أما بالنسبة للأنظمة الغذائية المختلفة، فلكل منها مزايا وقيود. فحمية البحر الأبيض المتوسط تُعد من أكثر الأنماط الغذائية المدعومة بالأدلة لصحة القلب والاستمرار على المدى الطويل، بينما قد يحقق الكيتو نتائج جيدة لدى بعض الأشخاص، مع استمرار النقاش العلمي حول تأثيره طويل الأمد على بعض مؤشرات دهنيات الدم لدى فئات معينة، الأمر الذي يجعل اختياره قرارًا يحتاج إلى تقييم فردي وليس وصفة عامة للجميع.
ومن القضايا المهمة أيضًا أن كثيرًا من الأشخاص يخلطون بين ثبات الوزن واستعادة الوزن. فالأول قد يحدث أثناء الحمية نتيجة التكيف الأيضي وانخفاض النشاط اليومي، أما الثاني فيحدث بعد العودة إلى العادات السابقة. ولذلك فإن نجاح أي برنامج لا يقاس بسرعة نزول الوزن، وإنما بالقدرة على المحافظة عليه لسنوات.
كما لا ينبغي إغفال دور النوم؛ فالنوم غير الكافي يرفع هرمون الغريلين، ويخفض اللبتين، ويزيد الشهية والرغبة في الأطعمة مرتفعة السعرات. وفي المقابل، يساهم النشاط البدني المنتظم، ولا سيما تمارين المقاومة، في الحفاظ على الكتلة العضلية، وتحسين حساسية الإنسولين، ودعم استقرار الوزن على المدى الطويل.
لذلك، فإن اختزال علاج السمنة في عبارة "كُل أقل وتحرك أكثر" لم يعد يعكس ما توصل إليه العلم. فالسمنة ليست مشكلة إرادة فقط، كما أنها ليست مشكلة طعام فقط، وإنما هي تفاعل معقد بين الدماغ، والهرمونات، والنفس، والنوم، والحركة، والبيئة، والثقافة الغذائية، والعادات اليومية.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ما أفضل رجيم؟ بل: كيف نبني نمط حياة يستطيع الدماغ والجسم المحافظة عليه دون أن يشعر أنه يخوض معركة من أجل البقاء؟
لقد أصبح واضحًا أن خسارة الوزن لا تبدأ من طبق الطعام وحده، بل تبدأ أيضًا من فهم الإنسان لبيولوجيا جسده، وإدارة ضغوطه النفسية، وتحسين نومه، وزيادة نشاطه البدني، وإعادة تشكيل عاداته اليومية. وعندما تتكامل هذه العناصر، يتحول الرجيم من حل مؤقت إلى نمط حياة مستدام، وتصبح المحافظة على الوزن الجديد أكثر واقعية من البحث المستمر عن "الحمية السحرية" التالية.
د. زيد إحسان الخوالدة
باحث في علم النفس السريري وكاتب في قضايا الصحة والسلوك
د. زيد احسان الخوالده يكتب: فشل الرجيم؟ .. أحياناً يرفض الدماغ خسارة الوزن
منذ 1 ساعة
المشاهدات :
17133
د. زيد إحسان الخوالدة
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
الأردن اليوم
بينهم تاجر سيارات وصاحب مصنع ومستشفى خاص .. العراق يطلب من الأردن تسليم متهمين بالفساد
منذ 3 أيام
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
صائب عارف يكتب: السلام العالمي بين الحلم والواقع
منذ 41 ثانية
كُتاب سرايا
صالح مفلح الطراونه يكتب: صوت العرب من القاهرة .. ثلاثة وسبعون عاماً وصدى أمة لا يغيب
منذ 1 دقيقة
كُتاب سرايا
محمد علي الزعبي يكتب: جعفر حسان .. حين يصبح الإنجاز موقفاً لا شعاراً
منذ 18 دقيقة
كُتاب سرايا
النسور يكتب: دولة الرئيس الدكتور جعفر حسان .. القرار بداية الطريق
منذ 1 ساعة
أخبار فنية
فن
الممثل الاردني وليد البرماوي ينتقد نقابة الفنانين: التاريخ لن يرحم من يشطب الفنان
منذ 4 دقائق
فن
تامر حسني عن هاني شاكر: من أهم الفنانين الذين نفخر بأنهم عاشوا عصرنا (فيديو)
منذ 28 دقيقة
فن
محمد حماقي ليس أولهم .. نجوم لم يتمالكوا دموعهم على الهواء
منذ 40 دقيقة
فن
رسائل دعم وفرحة من نجوم الفن بعد تأهل المنتخب المصري لدور الـ16 بكأس لعالم (فيديو)
منذ 1 ساعة
فن
شيرين عبد الوهاب تتوعد مروجي الشائعات بالإجراءات القانونية
منذ 2 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
ميسي يواصل تحطيم الأرقام القياسية في كأس العالم 2026
منذ 47 دقيقة
رياضة
من يملك المسار الأصعب إلى نصف نهائي كأس العالم: مصر أم المغرب؟
منذ 51 دقيقة
رياضة
رياض محرز يثير الجدل تجاه موقفه من مدرب الجزائر
منذ 2 ساعة
رياضة
كدمه في الجبهة .. ميسي يثير قلق جمهور الأرجنتين قبل مواجهة مصر (صور)
منذ 3 ساعات
رياضة
"بيضربنا بين الشوطين" .. رد كوميدي من صلاح بشأن علاقته مع حسام حسن (فيديو)
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
لدغها ثعبان سام .. فاصطحبته معها إلى المستشفى
منذ 19 دقيقة
منوعات من العالم
10 عادات تميز الأشخاص الموهوبين في بناء العلاقات
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
الجفاف وحرائق الغابات .. كارثة صامتة تهدد الحياة البرية في فرنسا
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
منزل بلا عنوان ثابت .. امرأة تختار العيش على متن سفينة سياحية سكنية في رحلة دائمة
منذ 7 ساعات
منوعات من العالم
لماذا اختفت قصة ما قبل النوم؟ .. ما يخسره طفلك حين تغيب القراءة اليومية
منذ 8 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات