م. صلاح طه عبيدات يكتب: الحيادية .. حين تنتصر الوزارة على الوزير

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 12040
م. صلاح طه عبيدات يكتب: الحيادية ..  حين تنتصر الوزارة على الوزير
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

ليست الدولة أبنيةً شاهقة، ولا أنظمةً مكتوبة، ولا مكاتب تزدحم بالملفات. الدولة، في جوهرها، فكرة أخلاقية قبل أن تكون سلطة إدارية؛ فكرة تقول إن المصلحة العامة يجب أن تسمو على كل مصلحة خاصة، وإن القانون يجب أن يكون سيد الجميع، لا تابعًا لأهواء الأشخاص.
ومن هنا تبدأ الحيادية.
فالحيادية ليست برودًا في المشاعر، ولا تخليًا عن القيم، ولا وقوفًا في المنطقة الرمادية بين الحق والباطل، بل هي انحيازٌ كامل للحق كما يحدده القانون، وللعدالة كما ترسمها المعايير المهنية، وللمصلحة العامة كما يقتضيها الواجب الوظيفي. إنها قدرة المسؤول على أن يخلع عباءة القرابة والصداقة والانتماء والمصلحة الشخصية عندما يجلس على كرسي المسؤولية، فلا يرى أمامه إلا واجبه، ولا يسمع إلا صوت ضميره.
أما تضارب المصالح، فهو ليس مرادفًا للفساد، بل هو البوابة التي قد يُولد منها الفساد إن غابت الرقابة وضعفت الثقافة المؤسسية. لذلك فإن الدول المتقدمة لا تنتظر وقوع الانحراف، بل تبني منظومات تمنع أسبابه، وتُلزم بالإفصاح، وتُعلي من شأن الشفافية، وتُبعد المسؤول عن كل قرار قد تختلط فيه المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة.
لكن القوانين، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة إذا لم تتحول إلى قناعة راسخة في وجدان الموظف والمسؤول. فالحيادية لا تُفرض بالنصوص وحدها، وإنما تُبنى بالتربية المؤسسية، والتدريب، والقدوة الحسنة، حتى تصبح فهمًا عميقًا، وسلوكًا تلقائيًا، وثقافةً تحكم القرار قبل أن يحكمه القانون.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تُمارس الرقابة على الأداء الحكومي ضمن الفلسفة ذاتها. فالرقابة التي تنحاز لأشخاص أو تتأثر بالمصالح، تفقد مشروعيتها مهما امتلكت من صلاحيات. أما الرقابة الحقيقية فهي التي تُخضع الجميع للمعيار نفسه، وتُحاسب الجميع بالميزان نفسه، فلا تعرف الانتقائية، ولا تسمح بتضارب المصالح داخل منظومة الرقابة ذاتها. فالرقابة ليست خصومة مع الإدارة، بل هي شريكها في تصويب المسار، وحارسها الذي يمنع الانحراف قبل وقوعه.
وحين تصبح الحيادية ثقافةً عامة، ويغدو تضارب المصالح خطرًا أخلاقيًا قبل أن يكون مخالفةً قانونية، تتحول المؤسسات من ساحاتٍ للأشخاص إلى منظوماتٍ للأفكار، ومن مراكز نفوذ إلى بيوتٍ للعدالة. عندها فقط ينتصر الوطن على الأفراد، وتنتصر المؤسسة على الأشخاص، وينتصر القانون على الأهواء.
فالإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ بإصدار تشريع جديد، بل يبدأ يوم يؤمن كل موظف وكل مسؤول أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الحيادية ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي شرطٌ لبقاء الدولة قوية، وبقاء الثقة بين المواطن ومؤسساته راسخة لا تهزها المصالح ولا تميل بها الأهواء.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم