الدعجة يكتب : جريمة مروان جمعة .. أنه رفض الكذب علينا .. وما قاله ليس اساءه للاردن

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 77662
الدعجة يكتب : جريمة مروان جمعة .. أنه رفض الكذب علينا ..  وما قاله ليس اساءه للاردن
الكاتب والمحلل الأمني الدكتور بشير الدعجة

الكاتب والمحلل الأمني الدكتور بشير الدعجة

كتب المحلل الأمني د. بشير الدعجة: ما إن أدلى نائب رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم "مروان جمعة" بتصريحه الذي استذكر فيه سنوات دراسته في الولايات المتحدة خلال ثمانينيات القرن الماضي... وأن كثيرًا من الأمريكيين آنذاك لم يكونوا يعرفون الأردن... وأن وصول منتخبنا الوطني إلى كأس العالم أسهم في تعريف الملايين ببلدنا... حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي... وبدأت حملات الهجوم... والتخوين... والتشكيك... وكأن الرجل ارتكب جرمًا لا يُغتفر.

المفارقة المؤلمة أن أحدًا لم يناقش الفكرة... بل انصرف البعض إلى التنقيب في الأصول... والجذور... والانتماءات... والنوايا... وكأننا أصبحنا بارعين في محاكمة الأشخاص... وعاجزين عن مناقشة الوقائع... والأخطر من ذلك أن ثقافة إصدار الأحكام أصبحت أسرع من ثقافة التفكير... حتى باتت الحقيقة نفسها تُتهم إذا لم توافق المزاج العام.

ما قاله مروان جمعة ليس إساءة للأردن... بل وصفٌ لواقع عاشه بنفسه... وواقع يعرفه كل أردني عاش خارج حدود الوطن... أو درس... أو عمل... أو شارك في مهمة دولية... فالعالم لا يعرف الدول بالقدر نفسه... ولا يهتم بالجغرافيا والتاريخ والسياسة بالقدر الذي نتصوره نحن.

وأنا لا أتحدث من باب التحليل أو الاجتهاد... بل من تجربة شخصية عشتها بكل تفاصيلها... فمن موقعي كضابط في الأمن العام ... شاركت مراقبًا دوليًا ضمن قوات حفظ السلام في عدة دول شهدت صراعات ونزاعات... والتقيت بمراقبين دوليين من عشرات الجنسيات... وتعاملت مع آلاف المواطنين من شعوب مختلفة... وكم من مرة كنت أجيب عن سؤال: من أين أنت؟

فأقول بكل فخر: من الأردن... لتأتي الإجابة: أين تقع الأردن؟... أو هل هي جزء من دولة أخرى؟... أو نعترف لأول مرة أننا نسمع باسمها...هل شعرت يومًا أن ذلك ينتقص من وطني؟... أبدًا...

بل كنت أعتبرها فرصة لأحدثهم عن الأردن... عن قيادته... عن أمنه... عن حضارته... عن إنسانه... وعن رسالته الإنسانية... كنت أرى في كل شخص لا يعرف الأردن مشروع سفير جديد لوطني... لا سببًا للغضب والانفعال.

فلنكن واقعيين... العالم يضم أكثر من مئتي دولة... فهل يعرف الأردنيون جميع تلك الدول؟... وهل يعرفون مواقعها... وعواصمها... وتاريخها؟... بالطبع لا... فهل يعني ذلك أن تلك الدول بلا قيمة؟... بالتأكيد لا... المعرفة ليست مقياسًا للعظمة... لكنها نتيجة للحضور والتأثير والانتشار.

ومن هنا نفهم لماذا يُعد وصول منتخبنا الوطني إلى كأس العالم إنجازًا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر... إنه انتصار للقوة الناعمة الأردنية... فخلال أيام قليلة شاهد مئات الملايين اسم الأردن... وعلمه... ونشيده الوطني... وبحث كثيرون عن موقعه... وتاريخه... وسياحته... وثقافته... هذا إنجاز لا يجوز التقليل من قيمته... بل يجب البناء عليه.

المؤسف أننا ما زلنا نستهلك طاقاتنا في معارك جانبية لا تُقدم للوطن شيئًا... نختلف... فهذا طبيعي... لكن لماذا يتحول الاختلاف إلى تخوين؟... ولماذا يصبح كل رأي مخالف مشروعًا للهجوم الشخصي؟... ولماذا نُصر على قراءة النوايا بدل قراءة الكلمات؟...
الوطن لا يحتاج إلى من يُجمّل الواقع بالكلمات... بل يحتاج إلى من يواجه الواقع ليصنع واقعًا أفضل... فالحقيقة ليست خصمًا للوطن... بل هي أول الطريق نحو التقدم... أما الأوهام... فلا تصنع إلا الرضا الزائف.

الأردن أكبر من الأشخاص... وأكبر من الأسماء... وأكبر من الخلافات... والأردني الحقيقي هو من يضيف لبنة في بناء هذا الوطن... لا من يهدم كل من يختلف معه... لاعب يرفع العلم في الملاعب... وجندي يحفظ السلام... وطبيب ينقذ حياة... ومعلم يصنع جيلاً... ومهندس يبني... ومستثمر يخلق فرصة عمل... وإعلامي ينقل الصورة المشرقة... جميعهم يخدمون الأردن بطريقتهم.

فلنكف عن تحويل الحقيقة إلى قضية... وعن صناعة أعداء وهميين بين أبناء الوطن الواحد... فليس كل من وصف واقعًا يسيء لوطنه... وليس كل من خالفنا الرأي أقل وطنية منا.

ولنتذكر دائمًا أن الوطنية ليست ضجيجًا على منصات التواصل... وليست شعارات تُكتب عند الغضب... الوطنية عمل... وإنجاز... وصدق... وقدرة على الاعتراف بالواقع ثم تحويله إلى نجاح.

الوطن لا يخسره من يقول الحقيقة... بل يخسره من يرفض سماعها... ويختار أن يحاكم أصحابها بدل أن يستفيد منها...وللحديث بقية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم