الخوالدة يكتب: الإدمان: الوجه الخفي للحكاية

منذ 7 ساعات
المشاهدات : 17850
  الخوالدة يكتب: الإدمان: الوجه الخفي للحكاية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في كل مرة يُطرح فيها ملف الإدمان، تتجه الأنظار سريعًا إلى المادة المخدرة بوصفها العنوان الأبرز للمشكلة، بينما تكشف الأدلة العلمية الحديثة والدراسات النوعية أن التعاطي في كثير من الحالات ليس بداية الحكاية، بل نتيجتها الظاهرة؛ فهو الحلقة الأخيرة في مسار طويل ومعقد تتداخل فيه العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والأسرية والروحية، وقد يبدأ قبل سنوات من أول تجربة تعاطٍ.

ولا يمكن الحديث عن الإدمان بمعزل عن البعد الأمني والإقليمي. فقد وجد الأردن نفسه خلال السنوات الماضية في مواجهة مباشرة مع محاولات تهريب المخدرات عبر حدوده، في ظل ظروف إقليمية معقدة وشبكات جريمة منظمة استغلت حالة عدم الاستقرار في بعض دول الجوار. وقد واجهت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، أساليب تهريب متطورة، شملت الطائرات المسيّرة ووسائل الإخفاء المعقدة وغيرها من الأساليب المستحدثة، وقدم الأردن شهداء وهم يؤدون واجبهم في حماية الوطن. ومن هنا، فإن الأردن لا يحمي حدوده الوطنية فحسب، بل يقف في خط الدفاع الأول عن الأمن العربي، ولا سيما أمن دول الخليج التي تستهدفها شبكات التهريب العابرة للحدود. ولذلك فإن دعم الأردن في هذه المواجهة ليس دعمًا لدولة بعينها، بل استثمار في أمن المنطقة واستقرارها.

فالإدمان لا يولد من فراغ، وإنما ينشأ غالبًا من تفاعل عوامل متعددة؛ كالإهمال الأسري، والصراعات العائلية، والتعرض للصدمات النفسية، واضطرابات الصحة النفسية غير المشخصة، والعزلة الاجتماعية، والشعور بفقدان المعنى أو الهدف، وضعف عوامل الحماية، ومنها القيم الدينية والأخلاقية، والدعم الأسري، والانتماء المجتمعي، إضافة إلى حب التجريب، وتأثير جماعة الرفاق، إلى جانب الاستعدادات الوراثية والعوامل البيولوجية والبيئية. ولذلك لم تعد المؤسسات العلمية تنظر إلى الإدمان باعتباره مشكلة أخلاقية أو جنائية فحسب، بل باعتباره اضطرابًا حيويًا نفسيًا اجتماعيًا يتطلب استجابة شاملة.

وتؤكد الدراسات النوعية، التي استمعت إلى تجارب المتعافين وأسرهم، أن كثيرًا من قصص الإدمان تبدأ من هشاشة في الانتماء، أو ضعف في الاحتواء، أو شعور عميق بالوحدة، أو محاولة للهروب من ألم داخلي لم يجد صاحبه لغة للتعبير عنه. وهنا يصبح المخدر عند بعضهم وسيلة مؤقتة لتسكين الألم، قبل أن يتحول هو نفسه إلى مصدر ألم جديد.

ومن منظور إريكسون، فإن المراهقة وبدايات الشباب مرحلة حاسمة في بناء الهوية والشعور بالدور. فإذا لم يجد الشاب إجابة واضحة عن سؤال: من أنا؟ وما قيمتي؟ وإلى أين أنتمي؟ فقد يبحث عن بدائل تمنحه شعورًا زائفًا بالقوة أو القبول أو الهروب. ومن منظور الحاجات الإنسانية، فإن الإنسان لا يحتاج إلى الطعام والأمان فقط، بل يحتاج إلى الانتماء، والتقدير، والمعنى، وتحقيق الذات. وعندما تتعطل هذه الحاجات، يصبح الإنسان أكثر عرضة لسلوكيات تعويضية قد يكون التعاطي أحدها.

ولا يقل البعد البيولوجي أهمية عن بقية الأبعاد؛ فقد أظهرت أبحاث الوراثة السلوكية أن بعض الأفراد يمتلكون استعدادًا وراثيًا يزيد من قابليتهم للإدمان عند التعرض لعوامل الخطر، كما أثبتت دراسات علوم الأعصاب أن المواد المخدرة تُحدث تغيرات في دوائر المكافأة واتخاذ القرار في الدماغ، ولا سيما في المسارات المرتبطة بالدوبامين، فيتحول التعاطي تدريجيًا من سلوك اختياري إلى اضطراب يؤثر في القدرة على ضبط الاندفاع واتخاذ القرار. وهذا لا ينفي مسؤولية الإنسان عن طلب العلاج، لكنه يفسر لماذا يحتاج كثير من المرضى إلى تدخل طبي ونفسي طويل الأمد، لا إلى اللوم أو العقوبة وحدهما.

ومن هنا، فإن التركيز على المادة المخدرة وحدها يشبه معالجة أعراض المرض دون البحث عن أسبابه. فكم من شاب أقلع عن التعاطي لفترة، ثم عاد إليه لأن جذور المشكلة بقيت كما هي دون علاج. وكم من متعافٍ احتاج إلى بيئة تحميه من الانتكاس أكثر مما احتاج إلى نصيحة عابرة أو مساعدة مؤقتة.

كما تؤكد الخبرة السريرية أن المتعاطين ليسوا جميعًا نمطًا واحدًا؛ فلكل إنسان قصة مختلفة، وظروف مختلفة، وعوامل دفعته إلى هذا الطريق. ولهذا لا يمكن أن تُبنى برامج التعافي على حلول موحدة أو استجابات عشوائية، لأن ما يساعد شخصًا قد لا يكون مناسبًا لآخر.

فقد يحتاج أحدهم إلى علاج نفسي متخصص، ويحتاج آخر إلى علاج لاضطراب اكتئابي أو قلق مزمن، بينما يحتاج ثالث إلى إعادة دمجه في سوق العمل، أو إصلاح بيئته الأسرية، أو استعادة ثقته بنفسه، أو تعزيز منظومته القيمية والروحية. وقد يكون الدعم الاقتصادي جزءًا من الحل في بعض الحالات، لكنه يكون أكثر فاعلية عندما يأتي ضمن برنامج علاجي وتأهيلي متكامل، يحدد احتياجات كل فرد بصورة علمية.

ولا يسلم من الإدمان مشهور، ولا صاحب موهبة، ولا صاحب مكانة اجتماعية؛ فالإدمان لا يطرق أبواب الفقراء وحدهم، ولا يصيب الضعفاء فقط. فقد يبدأ عند بعض الناس من فراغ داخلي لا يراه الجمهور، أو ضغط نفسي لا يظهر خلف النجاح، أو عزلة مختبئة خلف الصورة العامة. ولهذا فإن اختزال الإدمان في الفشل الشخصي تبسيط مخل، كما أن تبريره الكامل خطأ آخر. فالمدمن مسؤول عن السعي إلى التعافي، لكنه يحتاج كذلك إلى طريق علمي حقيقي يساعده على استعادة نفسه.

وأخطر ما يفعله الإدمان أنه لا يسلب الصحة والمال فقط، بل يسلب الإنسان دوره ومعناه. يضعفه داخل أسرته، ويبعده عن عمله أو دراسته، ويقطع صلته بالمجتمع، ويدفعه تدريجيًا إلى الهامش والعزلة. وحين يفقد الإنسان دوره، يصبح العلاج الحقيقي هو مساعدته على استعادته، لا الاكتفاء بمطالبته أن يتوقف.

ولهذا فإن الدول التي حققت تقدمًا في خفض معدلات الإدمان لم تعتمد على محور واحد، بل جمعت بين الوقاية المبكرة، والعلاج القائم على الدليل، والتأهيل النفسي والاجتماعي، وإعادة الدمج المهني، واستمرار المتابعة بعد التعافي؛ لأن الانتكاسة جزء معروف في مسار هذا الاضطراب، وليست دليلًا على فشل الإنسان أو استحالة علاجه.

إن نجاح المجتمع في مواجهة الإدمان لا يُقاس فقط بعدد الضبطيات أو بعدد المتوقفين عن التعاطي، بل بعدد الأشخاص الذين عادوا إلى أسرهم، وأعمالهم، وتعليمهم، واستعادوا قدرتهم على أن يكونوا أفرادًا منتجين.

فحين ننظر إلى الإدمان بوصفه اضطرابًا تتداخل فيه العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية والروحية، تصبح السياسات أكثر حكمة، وتصبح النتائج أكثر استدامة. فبناء الإنسان، وحماية الأسرة، وتعزيز الصحة النفسية، والوقاية المبكرة، والعلاج القائم على الدليل، ليست نفقات إضافية، بل هي استثمار استراتيجي في أمن المجتمع واستقراره وصون مستقبل الأجيال.
كما لا ننسى التشريع الذي لا يبدأ في قاعة المحكمة، بل يبدأ قبل وقوع الجريمة؛ بتنظيم تداول المواد ذات الخطورة، والرقابة على المؤثرات العقلية، وتجريم أساليب الترويج الإلكتروني، وتجفيف منابع غسل الأموال المرتبطة بالمخدرات، وحماية الأطفال واليافعين من الاستهداف عبر المنصات الرقمية. فالقانون الناجح لا يكتفي بمعاقبة الجريمة، بل يمنع تشكل بيئتها.

إن نجاح الدول في مكافحة الإدمان لا يقوم على ثلاثة أركان، بل على خمسة: أمنٌ يحمي الحدود، وتشريعٌ يواكب تطور الجريمة، وصحةٌ تقدم العلاج، وتعليمٌ يبني الوعي، وأسرةٌ تحمي الإنسان. فإذا اختل أحد هذه الأركان، وجد الإدمان طريقه إلى المجتمع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم