"التسريح الصيفي المقنع": عندما يكون توفير الراتب أهم من مصلحة الطالب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13879
"التسريح الصيفي المقنع": عندما يكون توفير الراتب أهم من مصلحة الطالب

الدكتور صدام بني فواز
دكتوراة الفلسفة في المناهج وأساليب التدريس
فاتورة يدفعها الطالب وولي الأمر
في بعض المدارس الخاصة الاستهلاكية، ظهرت ظاهرة مؤلمة تحت مسمى "التسريح" أو "الاستقالة الجبرية". وملخصها: إنهاء عقود الكادر التدريسي كاملاً مع نهاية العام الدراسي، من أجل عدم دفع رواتب العطلة الصيفية للكادر.

اسمها الإداري "ترشيد نفقات".
لكن اسمها التربوي الحقيقي هو: "تسريح صيفي مقنع".
وثمنها؟ لا يدفعه صاحب المدرسة... بل يدفعه الطالب، وولي الأمر.

أولاً: الحكم التربوي والأخلاقي.
المدرسة ليست مصنعاً موسمياً، والمعلم ليس عاملاً بالقطعة.

المعلم في المدارس الخاصة يحمل عقدين: عقد ورقي مع الإدارة، وعقد إنساني وتربوي مع الطالب. وعندما تقطع الإدارة العقد الأول كل صيف، فهي في الحقيقة تقطع "سند الطالب النفسي" معه.

شرعاً وقانوناً وتربوياً، هذا تحايل على حق مكتسب. والمعلم الذي يعيش حالة قلق وترصد كل نهاية عام دراسي، من المستحيل أن يدخل الصف بأمان واطمئنان وإبداع. ففاقد الأمان لا يمنحه.

ثانياً: الأضرار المباشرة على الطالب.
الطالب هو الضحية الصامتة لهذا القرار. وأثره يمتد لسنوات:

1. انعدام الاستقرار النفسي.
يدخل الطالب صفه في أيلول وهو يحمل سؤالاً واحداً: "هل معلمتي ستبقى؟". تتكون لديه قناعة مبكرة بأن المدرسة مكان مؤقت، وأن الكبار غير موثوق بهم.
وهذا يضرب في الصميم أول وأهم حاجة من حاجات التعلم حسب "هرم ماسلو"، وهي الأمان. فبدون أمان، يدخل دماغ الطفل في "وضع النجاة" بدلاً من "وضع التعلم".

2. ضياع الاستمرارية التعليمية.
كل عام دراسي يصبح "سجلاً ممحوًا". معلم جديد لا يعرف تاريخ الطالب، ولا نقاط قوته، ولا مواطن ضعفه، ولا الخطة العلاجية التي بدأت العام الماضي.
والضرر أكبر ما يكون في المراحل الأساسية وخصوصًا المبكرة.

3. انهيار العلاقة التربوية.
العلاقة بين المعلم والطالب جذر يحتاج إلى فصل دراسي لينمو، وسنة ليثمر ثقة. وعندما يُقتلع هذا الجذر كل صيف، تتحول العلاقة من "علاقة تربية" إلى "علاقة صفقة مؤقتة".
حينها يتوقف الطالب عن البوح، ويتوقف عن الثقة، ويصبح المعلم عنده مجرد "الأستاذ الجديد".

4. تراجع جودة الكادر التعليمي.
المعلم المبدع، صاحب الخبرة والكفاءة، لا يقبل أن يعيش على جرف الهاوية، فيرحل ويبقى من لا خيار له: الخريج الجديد، أو ضعيف الخبرة. وهكذا، يدفع الطالب ثمن توفير ثلاثة رواتب من جودة تعليمه.

5. تعليم سلبي بالقدوة.
أخطر ما في الأمر أن الطالب يتلقى درساً عملياً دون قصد: "الغاية تبرر الوسيلة"، و"التحايل على القانون شطارة".
نحن نعلمه نظرياً أن الأمانة فضيلة، ثم نمارس أمامه عملياً أن المال أهم من العهد. ثم نتساءل بعدها: لماذا صار الجيل مادياً؟

ثالثاً: الضرر الخفي على المدرسة.
ولي الأمر اليوم رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، إلا أنه يريد أن يستثمر في أولاده. لذا أول سؤال يسأله عند التسجيل: "ما هي نسبة ثبات الكادر التدريسي لديكم؟".

وعندما يسمع أن النسبة صفر، وأن الكادر يتغير 100% كل عام، فإن سؤاله التالي يكون حاسماً: "إذن لماذا أسجل ابني عندكم؟ كي يصبح حقل تجارب؟"

المدرسة التي تخاف من رواتب المعلمين الخبرة، هي نفسها التي ستبحث كل عام عن معلمين جدد برواتب بخسة. وهنا يبدأ الانحدار.

هكذا، تكون المدرسة قد وفرت ثلاثة رواتب في الصيف... وخسرت مصداقية المؤسسة التي ستضطر أن تبحث في كل عام عن كادر تدريسي جديد.

استثمار لا تكلفة
في النهاية، الطالب لن ينسى معلمة الصف الأول حتى لو بلغ الأربعين، ولكنه سينسى بسرعة المدرسة التي لم تستطع أن تحافظ على معلميه.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم