نوفل يكتب: هل أصبح حزب الله ورقة الاختبار الأولى للاتفاق الأميركي ـ الإيراني؟

منذ 2 يوم
المشاهدات : 29993
 نوفل يكتب: هل أصبح حزب الله ورقة الاختبار الأولى للاتفاق الأميركي ـ الإيراني؟
الصيدلي عدوان قشمر نوفل

الصيدلي عدوان قشمر نوفل

تبدو المنطقة اليوم وكأنها تعيش مرحلة انتقالية دقيقة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين إسرائيل وحزب الله، لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية أكبر ترتبط مباشرة بمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالتطورات العسكرية المتسارعة على الجبهة اللبنانية لم تعد تُقرأ باعتبارها أحداثاً ميدانية منفصلة، بل باعتبارها مؤشراً على طبيعة المرحلة المقبلة ومدى قدرة الأطراف المختلفة على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التسويات.

اللافت في التقارير الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة هو اعترافها الضمني بأن حزب الله نجح في إعادة بناء جزء مهم من منظومته الاستخبارية والعملياتية في جنوب لبنان رغم أشهر طويلة من القتال والاستهداف. فالتقديرات الإسرائيلية تتحدث عن نشاط متزايد لوحدات الرصد والمراقبة التابعة للحزب، وعن استخدام متطور للطائرات المسيّرة وتقنيات جمع المعلومات، خصوصاً خلال ساعات الليل، بهدف تعقب القيادات العسكرية الإسرائيلية واستهدافها.

هذه التقديرات تحمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فعندما تعترف إسرائيل بأن قادة كباراً في الجيش أصبحوا أهدافاً لعمليات رصد دقيقة، فإن ذلك يعني أن حزب الله لم يفقد قدرته على المبادرة والعمل الاستخباري كما كانت تأمل تل أبيب. بل إن الحرب ربما دفعت الحزب إلى تطوير أساليب جديدة تعتمد على التكنولوجيا والطائرات المسيّرة أكثر من اعتماده على الانتشار التقليدي الذي كان سائداً قبل الحرب.

وفي المقابل، تبدو إسرائيل أمام معضلة معقدة. فهي من جهة تريد منع الحزب من إعادة ترميم قدراته، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً أميركية متزايدة تمنعها من توسيع الحرب أو استهداف مراكز القرار الأساسية في بيروت. ولذلك أصبح الجيش الإسرائيلي عالقاً بين هدفين متناقضين: تحقيق إنجاز عسكري حاسم، والحفاظ على سقف التصعيد الذي تفرضه واشنطن.

لكن أهمية المشهد اللبناني لا تكمن فقط في الحسابات العسكرية. فبالتزامن مع هذه التطورات، تستعد الولايات المتحدة وإيران لبدء جولة من المحادثات الفنية في سويسرا لتنفيذ بنود مذكرة التفاهم الأخيرة بين الطرفين. وهنا تظهر المفارقة الكبرى؛ فبينما ينشغل العالم بالبرنامج النووي الإيراني، ترى واشنطن أن الاختبار الحقيقي للاتفاق الجديد قد يكون في لبنان وليس في المنشآت النووية.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي اتفاق مع إيران لن يكتب له النجاح إذا استمرت ساحات النفوذ الإقليمي في الاشتعال. ومن هذا المنطلق أصبح سلوك حزب الله معياراً عملياً لقياس مدى استعداد طهران للانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة التهدئة. ولذلك لم يعد السؤال المطروح في واشنطن يتعلق فقط بنسبة تخصيب اليورانيوم أو حجم المخزون النووي الإيراني، بل بمدى قدرة إيران على ضبط إيقاع حلفائها الإقليميين.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الإدارة الأميركية الأخيرة ذات أهمية خاصة. فواشنطن توجه رسالتين متوازيتين في الوقت نفسه: الأولى إلى حزب الله بضرورة وقف الهجمات ضد إسرائيل، والثانية إلى إسرائيل بضرورة تجنب توسيع الحرب. هذه المعادلة تكشف أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الاستقرار في لبنان باعتباره شرطاً أساسياً لإنجاح المسار التفاوضي مع إيران.

أما طهران، فهي تدرك بدورها أهمية الورقة اللبنانية. فحزب الله يمثل أحد أبرز عناصر النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وأحد أهم أوراق الضغط التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك فإن الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت إيران مستعدة لاستخدام هذه الورقة لدعم مسار التفاوض، أم أنها ستواصل توظيفها كورقة مساومة للحصول على مكاسب إضافية.

وبين هذين الخيارين يقف لبنان مجدداً في قلب العاصفة. فالمشهد الحالي يوحي بأن الجنوب اللبناني تحول إلى ساحة اختبار حقيقية لمستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة. فإذا نجحت التهدئة، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي والتفاهمات الإقليمية. أما إذا استمر التصعيد، فإن أي حادث أمني كبير قد يطيح بالمسار الدبلوماسي بأكمله ويعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة.

ومن هنا يمكن القول إن ما يجري اليوم على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ليس مجرد تبادل لإطلاق النار أو مواجهة محدودة بين حزب الله وإسرائيل، بل هو صراع على شكل النظام الإقليمي القادم. فجنوب لبنان أصبح المكان الذي تختبر فيه واشنطن صدقية التفاهم مع إيران، وتختبر فيه طهران حدود نفوذها، وتختبر فيه إسرائيل قدرتها على فرض معادلات أمنية جديدة. وبين هذه الحسابات المتشابكة يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون لبنان بوابة التسوية الكبرى، أم الشرارة التي تعيد إشعال المنطقة بأكملها؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم