فيصل تايه يكتب :حين يترجّل سادنُ العطاء التربوي مودعاً حضرة الكبار

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 19820
فيصل تايه يكتب :حين يترجّل سادنُ العطاء التربوي مودعاً حضرة الكبار
فيصل تايه

فيصل تايه

​في لحظاتٍ لا تُشبه إلا نفسها، تتوقف فيها اللغة عن كونها أداة وصف، وتتحول إلى محاولة خجولة للإمساك بما لا يُمسك : فالغياب حين يكون بحجم قامة، وحين يكون الرحيل أكبر من أن يُختصر في خبرٍ عادي ، أو يُختزل في سطر نعي ، هنا ، فقط، ندرك أن بعض الرجال لا يرحلون، بل ينسحبون بهدوء من المشهد ليتركوا خلفهم فراغاً يشبه الدهشة.

​في هذا الأفق الثقيل من الفقد، لا نرثي اليوم ظلاً في سجلات التعليم، بل نودع قامة تربوية من الطراز الذي لا يتكرر، ورجلاً من الرعيل الأول الذين لم يمروا في الميدان التربوي، بل صنعوا ملامحه، وأعادوا تشكيل وعيه، وتركوا فيه بصمتهم كأنها قدر لا يمحى.

إننا نودّع الأستاذ الدكتور محمد صايل محسن عبيدات (أبو إسلام)، لا بوصفه اسماً في سجل التعليم، بل بوصفه أحد سدنة العطاء التربوي الذين حملوا الرسالة بوعي العارف، ووقار المربي، وصدق الانتماء لفكرة أن التعليم ليس وظيفة تؤدى، بل مشروع إصلاحي متكامل، ورؤية تربوية تمشي على الأرض لبناء وطن قبل أن تكون ممارسة مهنة.

​ولأن التاريخ لا يكتب أسماء الكبار عبثاً، فإن من يقلب صفحات سيرته الفكرية والتربوية يدرك أنه كان ينتمي بوعي عميق إلى “المدرسة التربوية الإصلاحية”، تلك المدرسة التي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد صياغته من الداخل. وقد بدأت ملامحها تتشكل منذ سنواته الأولى في الميدان، حين التحق بوزارة التربية والتعليم بعد تخرجه من جامعة دمشق عام ١٩٦٣ بتخصص التاريخ، ليبدأ رحلة لم تكن وظيفية، بل كانت تأسيساً لمشروع عمر.

​في الميدان المدرسي، وفي إدارة مدرسة المفرق الثانوية، لم يكن مجرد مدير يؤدي مهام إدارية، بل كان مهندس علاقة بين المدرسة والمجتمع، حتى غدت المدرسة امتداداً حياً لبيئتها، وغدا هو جزءاً من ذاكرتها الاجتماعية والتربوية، كصانع معنى، في نموذج مبكر لفهم عميق لمعنى القيادة التربوية الحقيقية.

​وفي محطات لاحقة من مسيرته، زامل فيها عمالقة الفكر التربوي وبناة المسيرة، كان حاضراً في مفاصل حساسة من التعليم، واضعاً بصمته في واحدة من أكثر القضايا خطورة في الوعي التربوي الأردني، حين حمل مسؤولية الامتحانات ومعادلة الشهادات، رافعاً شعاراً ظل محفوراً في الذاكرة السيادية: “التوجيهي كرامة الوطن”.

لم يكن الشعار عنده جملة إعلامية، بل موقفاً أخلاقياً وإدارياً صارماً، جعل من نزاهة الامتحان قضية سيادة تربوية لا تقبل المساومة، حتى غدا اسمه مرتبطاً بصرامة العدل الأكاديمي وحماية المصداقية التعليمية.

وإذا ما انتقل لاحقاً إلى إدارة مدارس روضة المعارف عام ١٩٩٥، فإن ذلك لم يكن انتقال منصب، بل انتقال فكرة، حيث حمل معه فلسفته التربوية الإصلاحية ليعيد بناء مفهوم الإدارة المدرسية على أسس أكثر عمقاً ووعياً وإنسانية.

​ولعل ما يجعل الحديث عنه أكثر خصوصية، أن حضوره لم يكن مهنياً فقط، بل إنسانياً وفكرياً في آن واحد. فقد كان مرجعاً يُستشار، وصوتاً يُطمأن إليه، وعقلاً يُعاد إليه ترتيب الأسئلة قبل الأجوبة. وفي تجربتي الشخصية معه، لم يكن مجرد أستاذ أو خبير، بل كان بوصلـةً تربوية نعود إليها كلما اضطربت الرؤية في قضايا الإدارة والسياسات التعليمية؛ فيستقبل السؤال لا كإجابة مطلوبة، بل كقضية يجب تفكيكها وإعادة بنائها.كان هادئاً في منطقه، دقيقاً في تحليله، عميقاً في قراءته، لا يكتفي بأن يجيب، بل كان يعيد تشكيل زاوية النظر ذاتها.

​وقد جمع في شخصيته ما ندر أن يجتمع: صرامةٌ مهنية تُدار بها المؤسسات، يقابلها تواضع إنساني يخفف ثقل الهيبة، وروح ناعمة مازحة تفيض وداً، ووعيٌ تربوي صارم لا يتنازل عن المبدأ، يقابله قلبٌ قريب من الناس، بسيط في حضوره، عميق في أثره.

​واليوم، ونحن نكتب بعد رحيله، لا نكتب عن غياب فرد، بل عن انطفاء مرحلة من الوعي التربوي الأصيل؛ ذلك الزمن الذي كانت فيه التربية مشروعاً وطنياً لا إجراءً إدارياً، وكان فيه الفكر التربوي عميقاً بقدر ما هو مسؤول، وهادئاً بقدر ما هو مؤثر.

إن رحيل الأستاذ الدكتور محمد صايل عبيدات لا يُغلق سيرة، بل يفتح سؤالاً كبيراً يواجه الميدان: كيف يُستعاد هذا النوع من الرجال في زمن يتراجع فيه العمق أمام السرعة، والرؤية أمام الإجراء، والمعنى أمام الشكل؟

​رحم الله الأستاذ الدكتور محمد صايل عبيدات رحمةً واسعة، وجزاه عن العلم والتربية وخدمة الأجيال خير الجزاء، وأبقى أثره حياً في ذاكرة الميدان، وفي وجدان من عرفوه، وفي كل فكرة تربوية ما زالت تؤمن أن المعنى أهم من الشكل، وأن الرسالة أكبر من المنصب، وأن التربية ليست وظيفة، بل رسالة وجود.
​إنا لله وإنا إليه راجعون.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم