تُعَدُّ القياداتُ الإدارية العليا في القطاع العام، في أي دولة من الدول، العمود الفقري للدولة الحديثة؛ فهي التي تُحوّل السياساتِ العامة مِن نصوص مُنَمَّقَةٍ في الخطط والاستراتيجيات إلى واقع ملموس في حياة الناس. ومِن هنا، فإن طريقة اختيار هذه القيادات ليست مسألة إجرائية أو شأنا داخليا في أجهزة الدولة، بل قضية وطنية تمس جودة الحكم، وكفاءة الخدمات، وثقة المواطن بالمؤسسات العامة.
غير أن الإشكالية الكبرى في كثير مِن تجارب القطاع العام تكمن في أنّ اختيار القيادات العليا لا يتم دائما وفق منطق الكفاءة والجدارة والنتائج، بل كثيرا ما تحكمه اعتبارات أخرى منها: الأقدمية، والولاءات والعلاقات الشخصية، والمجاملات، والتوازنات، وأحيانا الرغبة في إرضاء مراكز نفوذ إدارية أو سياسية. وهنا تبدأ الأزمة عندما يصبح المنصبُ القيادي نتيجةً للثقة والعلاقة الشخصية لا للكفاءة المؤسسية، وعندما يُكافأ الموظف على قربه مِن الرئيس لا على قدرته، وعلى صمته لا على إنجازاته.
إن أخطر ما في الاختيار غير المهني للقيادات الإدارية العليا أنه لا يُنتج فشلا فرديا فحسب، بل يخلق فشلا مؤسسيا ممتدا. فالقائد الضعيف لا يعطل قرارا واحدا، بل يعطل ثقافة كاملة، إذ أنه يقتل المبادرة، ويخاف مِن الكفاءات، ويحيط نفسه بمن هم أقل منه قدرة حتى لا ينكشف ضعفه. وبدلا مِن أنْ تكون المؤسسة مساحة للإبداع والخدمة العامة، تتحول إلى جهاز بيروقراطي سلبي بطيء، خائف، منشغل بإرضاء الرئيس أكثر مِن خدمة المواطن.
كثيرا ما يُقال إنّ القطاع العام يعاني مِن ضعف الأداء، لكن السؤال الأكثر عمقا هو: مَن اختار مَن يقود هذا الأداء؟ بالطبع، لا يمكن تحميل الموظف العادي وحده مسؤولية الترهل الإداري إذا كانت القيادةُ نفسُها قد جاءت بلا رؤيا واضحة، ولا خبرة كافية، ولا سجل إنجاز قابل للقياس. فالمؤسسات لا تنهض بالخُطَب، ولا بالشهادات وحدها، ولا بالمظاهر البروتوكولية، بل تنهض بقيادات تعرف كيف تخطط، وتقرر، وتتابع، وتحاسب، وَتُلْهِم.
مِن المظاهر السلبية في اختيار القيادات الادارية العليا الاعتمادُ المفرطُ على السيرة الذاتية الشكلية. فقد يحمل المرشحُ شهادات عليا، ودورات تدريبية متعددة، وخبرات طويلة، لكنه يفتقر إلى جوهر القيادة المتمثلة في: النزاهة، والشجاعة، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الفِرَق، وَفَهْم المصلحة العامة. فالخبرة الزمنية لا تعني بالضرورة خبرة نوعية، والأقدمية لا تعني بالضرورة الجدارة. فقد يُمْضي بعضُهم ثلاثين عاما في الوظيفة العامة دون أنْ يترك أثرا واحدا يستحق الذكر.
كما أنّ غياب معايير معلنة وشفافة يفتح الباب للتأويل والشك وفقدان الثقة. فعندما لا يعرف الناس لماذا تم اختيار شخص معين لمنصب قيادي، وعندما لا تُنشر معايير الاختيار، ولا تُعلن نتائج التقييم، ولا تُربط التعيينات بالأداء السابق، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع والموظفين هي أنّ الكفاءة ليست الطريق الأضمن للتقدم. وهذه الرسالة مدمِّرة لأي جهاز إداري لأنها تدفع الأكفاء إلى الإحباط أو الانسحاب أو الهجرة، وتمنح غير الأكفاء شعورا زائفا بالاستحقاق.
ولا تقل خطورةُ غياب المساءلة بعد التعيين عن خطورة سوء الاختيار نفسه. فكثير مِن القيادات تُعيَّن ثم تبقى في مواقعها سنوات دون تقييم حقيقي، حتى لو تراجعت مؤشرات الأداء، أو زادت شكاوى المواطنين، أو ضَعُفَت إنتاجية المؤسسة؛ وكأن المنصب القيادي في القطاع العام امتياز دائم لا عَقْد مسؤولية مشروط بالنتائج. وهذا خلل جوهري؛ فالقيادة يجب أنْ تكون تكليفا لا تشريفا، ومساءلة لا حصانة، وخدمة لا وجاهة. وبالتالي، ومن الضروري رَبْطُ بقاء القيادات في مواقعها بمؤشرات أداء واضحة. فالقائد الذي لا يحقق نتائج لا ينبغي أنْ يبقى لمجرد أنه يحظى بعلاقات جيدة أو حضور مقبول. ويجب أنْ تُقاس القيادةُ بما تضيفه لا بما تدّعيه، وبما تُحَسِّنُه في المؤسسة لا بما تكتبه في التقارير. فالتقارير الإدارية قد تبدو لامعة، لكن المواطن لا يقرأ التقارير لأنه مهتم بالحصول على الخدمة، والعدالة، والسرعة، والشفافية.
إن إصلاح آلية اختيار القيادات الإدارية العليا يبدأ مِن الاعتراف بأنّ المنصب العام ليس ملْكا لأحد، ولا ينبغي أنْ يكون جزءا مِن شبكة المكافآت أو الترضيات؛ كما أنّ الاختيار يجب أن يقوم على منظومة واضحة تشمل: الكفاءة المهنية، والنزاهة، والقدرة القيادية، وسجل الإنجاز، والفهم الاستراتيجي، والقدرة على إدارة التغيير، واحترام القانون، والالتزام بخدمة المواطن. كما ينبغي أنْ تخضع المناصب القيادية لمنافسة مُعْلَنَة، ولجان تقييم مستقلة، ومقابلات مهنية، واختبارات كفاءة، وتحليل موضوعي للأداء السابق والقدرة على التواصل والمساءلة. فالقائد الإداري لا ينبغي أن يُختار لأنه الأقدم أو الأقرب أو الأكثر قبولا لدى مراكز صنع القرار، بل لأنه الأقدر على إدارة المؤسسة وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
إن الدولة التي تريد إصلاحا حقيقيا في القطاع العام لا تبدأ مِن تغيير الشعارات، بل مِن تغيير طريقة اختيار مَن يقودون المؤسسات. فالقيادة الإدارية العليا ليست تفصيلا في بنية الدولة، بل هي عقلُها التنفيذي وضميرُها العملي. وإذا اختير هذا العقل على أساس ضعيف، فلن تُنْتِج المؤسسات إلا قرارات ضعيفة، وخدمات ضعيفة، وثقة ضعيفة. وبناء عليه، فإن الآليات العملية للاختيار السليم يجب أن تبدأ بالإعلان الشفاف عن المناصب القيادية، وتحديد شروطها ومسؤولياتها ومؤشرات الأداء المطلوبة لها، ثم إخضاع المرشحين لتقييم مهني مِن خلال لجنة مستقلة متعددة الخبرات، تعتمد مصفوفة تقييم واضحة لا تترك القرار للمزاجية أو المجاملة. كما ينبغي فحص السجل الوظيفي والإنجازات السابقة، والتحقق مِن النزاهة وتضارب المصالح، وإجراء مقابلات قائمة على الكفايات والمواقف العملية، مع إلزام كل مرشح بتقديم خطة عمل واقعية لتطوير المؤسسة.
في النهاية، لا يمكن بناء قطاع عام قوي بقيادات جاءت بالصدفة أو المجاملة أو الولاء الشخصي. والإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال قبل كل تعيين: ماذا أنجز هذا الشخص؟ ما قدرته على القيادة؟ ما دلالات نزاهته؟ ما الرؤيا التي يحملها؟ وما القيمة التي سيضيفها للمؤسسة والمواطن؟ أما إذا ظل السؤال غير المعلن هو: مَن يدعمه؟ ومَن يزكيه؟ ولمن ينتمي؟ فإننا لن نكون أمام إدارة عامة حديثة، بل أمام تدوير مستمر للفشل بثياب جديدة.
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
غير أن الإشكالية الكبرى في كثير مِن تجارب القطاع العام تكمن في أنّ اختيار القيادات العليا لا يتم دائما وفق منطق الكفاءة والجدارة والنتائج، بل كثيرا ما تحكمه اعتبارات أخرى منها: الأقدمية، والولاءات والعلاقات الشخصية، والمجاملات، والتوازنات، وأحيانا الرغبة في إرضاء مراكز نفوذ إدارية أو سياسية. وهنا تبدأ الأزمة عندما يصبح المنصبُ القيادي نتيجةً للثقة والعلاقة الشخصية لا للكفاءة المؤسسية، وعندما يُكافأ الموظف على قربه مِن الرئيس لا على قدرته، وعلى صمته لا على إنجازاته.
إن أخطر ما في الاختيار غير المهني للقيادات الإدارية العليا أنه لا يُنتج فشلا فرديا فحسب، بل يخلق فشلا مؤسسيا ممتدا. فالقائد الضعيف لا يعطل قرارا واحدا، بل يعطل ثقافة كاملة، إذ أنه يقتل المبادرة، ويخاف مِن الكفاءات، ويحيط نفسه بمن هم أقل منه قدرة حتى لا ينكشف ضعفه. وبدلا مِن أنْ تكون المؤسسة مساحة للإبداع والخدمة العامة، تتحول إلى جهاز بيروقراطي سلبي بطيء، خائف، منشغل بإرضاء الرئيس أكثر مِن خدمة المواطن.
كثيرا ما يُقال إنّ القطاع العام يعاني مِن ضعف الأداء، لكن السؤال الأكثر عمقا هو: مَن اختار مَن يقود هذا الأداء؟ بالطبع، لا يمكن تحميل الموظف العادي وحده مسؤولية الترهل الإداري إذا كانت القيادةُ نفسُها قد جاءت بلا رؤيا واضحة، ولا خبرة كافية، ولا سجل إنجاز قابل للقياس. فالمؤسسات لا تنهض بالخُطَب، ولا بالشهادات وحدها، ولا بالمظاهر البروتوكولية، بل تنهض بقيادات تعرف كيف تخطط، وتقرر، وتتابع، وتحاسب، وَتُلْهِم.
مِن المظاهر السلبية في اختيار القيادات الادارية العليا الاعتمادُ المفرطُ على السيرة الذاتية الشكلية. فقد يحمل المرشحُ شهادات عليا، ودورات تدريبية متعددة، وخبرات طويلة، لكنه يفتقر إلى جوهر القيادة المتمثلة في: النزاهة، والشجاعة، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الفِرَق، وَفَهْم المصلحة العامة. فالخبرة الزمنية لا تعني بالضرورة خبرة نوعية، والأقدمية لا تعني بالضرورة الجدارة. فقد يُمْضي بعضُهم ثلاثين عاما في الوظيفة العامة دون أنْ يترك أثرا واحدا يستحق الذكر.
كما أنّ غياب معايير معلنة وشفافة يفتح الباب للتأويل والشك وفقدان الثقة. فعندما لا يعرف الناس لماذا تم اختيار شخص معين لمنصب قيادي، وعندما لا تُنشر معايير الاختيار، ولا تُعلن نتائج التقييم، ولا تُربط التعيينات بالأداء السابق، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع والموظفين هي أنّ الكفاءة ليست الطريق الأضمن للتقدم. وهذه الرسالة مدمِّرة لأي جهاز إداري لأنها تدفع الأكفاء إلى الإحباط أو الانسحاب أو الهجرة، وتمنح غير الأكفاء شعورا زائفا بالاستحقاق.
ولا تقل خطورةُ غياب المساءلة بعد التعيين عن خطورة سوء الاختيار نفسه. فكثير مِن القيادات تُعيَّن ثم تبقى في مواقعها سنوات دون تقييم حقيقي، حتى لو تراجعت مؤشرات الأداء، أو زادت شكاوى المواطنين، أو ضَعُفَت إنتاجية المؤسسة؛ وكأن المنصب القيادي في القطاع العام امتياز دائم لا عَقْد مسؤولية مشروط بالنتائج. وهذا خلل جوهري؛ فالقيادة يجب أنْ تكون تكليفا لا تشريفا، ومساءلة لا حصانة، وخدمة لا وجاهة. وبالتالي، ومن الضروري رَبْطُ بقاء القيادات في مواقعها بمؤشرات أداء واضحة. فالقائد الذي لا يحقق نتائج لا ينبغي أنْ يبقى لمجرد أنه يحظى بعلاقات جيدة أو حضور مقبول. ويجب أنْ تُقاس القيادةُ بما تضيفه لا بما تدّعيه، وبما تُحَسِّنُه في المؤسسة لا بما تكتبه في التقارير. فالتقارير الإدارية قد تبدو لامعة، لكن المواطن لا يقرأ التقارير لأنه مهتم بالحصول على الخدمة، والعدالة، والسرعة، والشفافية.
إن إصلاح آلية اختيار القيادات الإدارية العليا يبدأ مِن الاعتراف بأنّ المنصب العام ليس ملْكا لأحد، ولا ينبغي أنْ يكون جزءا مِن شبكة المكافآت أو الترضيات؛ كما أنّ الاختيار يجب أن يقوم على منظومة واضحة تشمل: الكفاءة المهنية، والنزاهة، والقدرة القيادية، وسجل الإنجاز، والفهم الاستراتيجي، والقدرة على إدارة التغيير، واحترام القانون، والالتزام بخدمة المواطن. كما ينبغي أنْ تخضع المناصب القيادية لمنافسة مُعْلَنَة، ولجان تقييم مستقلة، ومقابلات مهنية، واختبارات كفاءة، وتحليل موضوعي للأداء السابق والقدرة على التواصل والمساءلة. فالقائد الإداري لا ينبغي أن يُختار لأنه الأقدم أو الأقرب أو الأكثر قبولا لدى مراكز صنع القرار، بل لأنه الأقدر على إدارة المؤسسة وتحقيق نتائج قابلة للقياس.
إن الدولة التي تريد إصلاحا حقيقيا في القطاع العام لا تبدأ مِن تغيير الشعارات، بل مِن تغيير طريقة اختيار مَن يقودون المؤسسات. فالقيادة الإدارية العليا ليست تفصيلا في بنية الدولة، بل هي عقلُها التنفيذي وضميرُها العملي. وإذا اختير هذا العقل على أساس ضعيف، فلن تُنْتِج المؤسسات إلا قرارات ضعيفة، وخدمات ضعيفة، وثقة ضعيفة. وبناء عليه، فإن الآليات العملية للاختيار السليم يجب أن تبدأ بالإعلان الشفاف عن المناصب القيادية، وتحديد شروطها ومسؤولياتها ومؤشرات الأداء المطلوبة لها، ثم إخضاع المرشحين لتقييم مهني مِن خلال لجنة مستقلة متعددة الخبرات، تعتمد مصفوفة تقييم واضحة لا تترك القرار للمزاجية أو المجاملة. كما ينبغي فحص السجل الوظيفي والإنجازات السابقة، والتحقق مِن النزاهة وتضارب المصالح، وإجراء مقابلات قائمة على الكفايات والمواقف العملية، مع إلزام كل مرشح بتقديم خطة عمل واقعية لتطوير المؤسسة.
في النهاية، لا يمكن بناء قطاع عام قوي بقيادات جاءت بالصدفة أو المجاملة أو الولاء الشخصي. والإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال قبل كل تعيين: ماذا أنجز هذا الشخص؟ ما قدرته على القيادة؟ ما دلالات نزاهته؟ ما الرؤيا التي يحملها؟ وما القيمة التي سيضيفها للمؤسسة والمواطن؟ أما إذا ظل السؤال غير المعلن هو: مَن يدعمه؟ ومَن يزكيه؟ ولمن ينتمي؟ فإننا لن نكون أمام إدارة عامة حديثة، بل أمام تدوير مستمر للفشل بثياب جديدة.
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات