المقابلة يكتب: قراءة نقدية لقانون التحكيم المعدل رقم 16 لعام 2018

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 5186
  المقابلة يكتب: قراءة نقدية لقانون التحكيم المعدل رقم 16 لعام 2018
د. عمر عكاشة المقابلة

د. عمر عكاشة المقابلة

تتضمن قراءة قانون التحكيم الأردني النافذ حتى عام 2026 ملاحظة مهمة تتمثل في أن المشرّع الأردني خطا خطوات متقدمة نحو مواكبة التطور التكنولوجي، إذ اعترف بالمراسلات الإلكترونية والتبليغات الرقمية، وأجاز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في إجراءات التحكيم وسماع الشهود والخبراء عن بعد. إلا أن هذه المعالجات، على أهميتها، ما تزال جزئية ولا ترقى إلى بناء منظومة متكاملة للتحكيم الإلكتروني تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الرقمي المتسارع والتجارة العابرة للحدود.
فالقانون الحالي ما زال يستند في جوهره إلى فلسفة التحكيم التقليدي التي نشأت في بيئة الأعمال الكلاسيكية، بينما يشهد العالم اليوم تحولات عميقة تتمثل في العقود الذكية، والتجارة الإلكترونية، والأصول الرقمية، والعلامات التجارية العالمية التي تدار وتسوّق عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والأسواق الإلكترونية. وهذه التطورات تفرض إعادة النظر في العديد من النصوص القانونية بما يضمن إنشاء بيئة تحكيمية رقمية متكاملة تستطيع استيعاب طبيعة المنازعات الحديثة.
ومن أبرز الجوانب التي تستوجب المراجعة التشريعية استحداث فصل مستقل تحت مسمى "التحكيم الإلكتروني"، يتضمن تعريفاً واضحاً له، وينظم إجراءات رفع الدعوى التحكيمية إلكترونياً، وتبادل اللوائح والبينات رقمياً، وعقد الجلسات الافتراضية، وإصدار الأحكام وتوقيعها إلكترونياً باستخدام وسائل التوثيق الرقمي المعتمدة. فوجود نصوص متفرقة تسمح باستخدام وسائل الاتصال الحديثة لا يكفي لإقامة منظومة قانونية متخصصة قادرة على مواكبة التحول الرقمي العالمي.
كما تبرز الحاجة إلى استحداث أحكام خاصة بتحكيم منازعات الملكية الفكرية عموماً، والعلامات التجارية الفاخرة الرقمية على وجه الخصوص. فهذه العلامات لم تعد مجرد أسماء أو شعارات تجارية، بل أصبحت أصولاً اقتصادية واستثمارية ضخمة تتجاوز قيمتها المادية حدود الدول والأسواق. وفي كثير من الأحيان تكون سمعة العلامة التجارية هي رأس المال الحقيقي للشركة، وأي نزاع قضائي طويل أو علني قد ينعكس سلباً على مكانتها السوقية وقيمتها الاستثمارية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في قطاع العلامات التجارية الفاخرة العالمية، حيث ترتبط النزاعات غالباً بأسرار تجارية واستراتيجيات تسويق وقواعد بيانات وعقود توزيع وحقوق رقمية يصعب عرضها أمام المحاكم التقليدية دون مخاطر تتعلق بالسرية وحماية السمعة التجارية. لذلك فإن التحكيم المتخصص يوفر بيئة أكثر ملاءمة لحماية هذه الحقوق من خلال السرية والسرعة والخبرة الفنية العالية.
ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح إضافة نص قانوني يجيز إنشاء هيئات أو مراكز تحكيم متخصصة في منازعات الملكية الفكرية والعلامات التجارية الرقمية والفاخرة، بحيث تضم محكمين ذوي خبرة قانونية وتقنية وتسويقية تمكنهم من فهم طبيعة هذه النزاعات المركبة. فالقاضي أو المحكم الذي يفصل في نزاع يتعلق بعلامة تجارية عالمية أو منصة رقمية يحتاج إلى معرفة تتجاوز الجوانب القانونية التقليدية لتشمل الاقتصاد الرقمي والتسويق الإلكتروني وإدارة السمعة المؤسسية.
كما أن المدد الزمنية الحالية للفصل في التحكيم، رغم أنها أقصر من القضاء النظامي، قد لا تكون كافية لمتطلبات الاقتصاد الرقمي. فالمنازعة المتعلقة بعلامة تجارية عالمية قد تؤدي خلال أسابيع قليلة إلى خسائر مالية كبيرة أو إلى تراجع ثقة المستهلكين. لذلك من المناسب استحداث إجراءات تحكيم مستعجلة للنزاعات الرقمية والملكية الفكرية، تتضمن آجالاً مختصرة للفصل وإصدار التدابير الوقتية والتحفظية.
وعلى صعيد جذب الاستثمار، فإن تطوير قانون التحكيم باتجاه التحكيم الإلكتروني المتخصص سيشكل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب. فالمستثمر لا يبحث فقط عن تشريعات تمنحه الحقوق، وإنما يبحث عن منظومة فعالة تضمن سرعة حماية تلك الحقوق عند نشوء النزاع. وكلما ارتفعت كفاءة نظام التحكيم وزادت قدرته على المحافظة على السرية وتقليل الكلف وتسريع الفصل في النزاعات، ازدادت جاذبية البيئة الاستثمارية للدولة.
وفي هذا السياق، فإن الأردن يمتلك فرصة حقيقية لتعزيز مكانته كمركز إقليمي للتحكيم التجاري والرقمي إذا ما تم تحديث قانون التحكيم بما يتلاءم مع التحولات العالمية. فالبنية التشريعية الحالية توفر أساساً جيداً، لكنها تحتاج إلى تطوير أكثر جرأة يستشرف المستقبل بدلاً من الاكتفاء بملاحقة التطورات القائمة.
وخلاصة القول، إن قانون التحكيم الأردني بصيغته الحالية يمثل تشريعاً متقدماً مقارنة بالعديد من التشريعات العربية، إلا أن التحول الرقمي العالمي يفرض الانتقال من مرحلة السماح باستخدام الوسائل الإلكترونية إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للتحكيم الإلكتروني. كما أن استحداث نظام خاص لتحكيم منازعات الملكية الفكرية والعلامات التجارية الفاخرة الرقمية أصبح ضرورة تشريعية واقتصادية، ليس فقط لحماية الحقوق، بل أيضاً لتعزيز الثقة بالاستثمار وجذب رؤوس الأموال وتوفير بيئة قانونية حديثة قادرة على مواكبة اقتصاد المعرفة والعصر الرقمي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم