عكروش يكتب: إستدامة المؤسسات في عصر الذكاء الإصطناعي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18288
عكروش يكتب: إستدامة المؤسسات في عصر الذكاء الإصطناعي
أ. د. مأمون نديم عكروش

أ. د. مأمون نديم عكروش

بدون مقدمات، نحن في عصر الذكاء الاصطناعي الذي يفرض إسلوب تفكير جديد في قيادة وإدارة وإستدامة مؤسساتنا والا الخيارات المتاحة تضعنا على المِحك! فالذكاء الاصطناعي أنموذج تكنولوجي ثوري جديد (New Disruptive Technological Paradigm) فرض نفسه من خارج نمط الفكر الإستراتيجي التقليدي مما يتطلّب قراءة المشهد بطريقة مختلفة للتكيّف مع متغيرات العصر الحالي للإستمرار على المدى البعيد وفقاً لتفكير إستراتيجي عميق مُختلف. فلم يعد الحديث عن التحولات العميقة التي تجري في العالم والمؤسسات الضخمة Giant Corporations)) التي تقود تطورات تكنولوجية ذكية للغاية وإنما يجري جدل موسع بين قادة العلم والتكنولوجيا وقادة الأعمال حول ماهية نظريات القيادة والإدارة المطلوبة التي يجب أن تواكب التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي من أجل إستدامة المؤسسات (Institutional Sustainability) والتكّيف (Adaptation) مع لغة العصر الحالي!
تُشير نماذج الأعمال المتقدمة في العالم حاليًا الى أن أحد أهم القدرات الإستراتيجية المميزة (Distinctive Strategic Capabilities) تكمن في القدرة والعقلية القيادية المتطورة القادرة على توظيف إمكانيات الذكاء الاصطناعي المتخصصة (Specialized Artificial Intelligence Competencies) في كافة أعمال المؤسسات حسب كل قطاع أعمال ووفقًا لمتطلباته وإحتياجاته من أجل مواكبة روح العصر وتحقيق ميزة تنافسية سوا أكان ذلك في القطاع العام أم الخاص. فلم يعد الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) كافيًا للقيام بذلك وأنما أصبح التركيز على إستخدام الذكاء الاصطناعي المستقل او الذاتي (Agentic Artificial Intelligence) حيث أنه يعتمد على نظام تكنولوجي رقمي متطور للغاية ويمتلك القدرة على فهم الاهداف الاستراتيجية النهائية والقدرة على التخطيط بشكل مستقل ويعزز خاصيىة التعلّم الذاتي ومُدرّب على إتخاذ القرارات وتنفيذ مهام عبر خطوات متعددة والتعلم من النتائج المتحققة بأقل درجة ممكنة من تدخل العنصر البشري. حسب معلوماتي (انا لست متخصصًا في مجال الذكاء الاصطناعي) فان هناك خمس مستويات من الذكاء الاصطناعي المستقل او الذاتي حيث أن المؤسسات المتقدمة عالميًا إستطاعت الوصول الى المستويات الثالث-الرابع ويجري العمل على الوصول الى المستوى الخامس وهو الذكاء الاصطناعي المستقل او الذاتي المؤتمت بالكامل (Fully Automated Agentic Artificial Intelligence). أي اننا على أبواب الترحيب بالزميل الرقمي (Digital Colleague) في مختلف قطاعات الأعمال. السؤال الإستراتيجي الذي يطرح نفسه الآن، ماذا أعددنا في مؤسساتنا لنواكب ذلك؟ فالذكاء الاصطناعي الذاتي او المستقل قد غيّر كافة قطاعات الأعمال وإستراتيجياتها وشكل وجوهر المنافسة فيها والبحث والتطوير وأنماط القيادة والادارة وتنفيذ الإستراتيجيات على أرض الواقع.
فمثلًا، القطاع الطبي في بعض الدول يوظف الزميل الرقمي منذ اكثر من عشر سنوات من أجل ادخال وجمع وتكامل معلومات وبيانات المريض من لحظة دخوله قسم الطوارىء ويقدم تشخيصًا اوليًا ثم يقدم كل شيء للطبيب لغايات التشخيص النهائي واتخاذ القرار المناسب مما أدى الى إستغلال أفضل للموارد المتوفرة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة. في المؤسسات المالية والمصرفية، أصبح الذكاء الاصطناعي يُستخدم كجزء لا يتجزأ من الاعمال اليومية وبناء الاستراتيجيات الفعالة التي تبدأ بخدمة الزبائن وتنتهي بإعادة هندسة عمليات وإستراتيجيات هذه المؤسسات بما في ذلك إدارة المخاطر ومكافحة الاحتيال وغيرها. طبعًا، النتائج كبيرة، وفر مالي كبير، تحسين النتائج المالية، تحسين العمليات والخدمات، وثبات في مستوى الخدمات، خدمة آليه على مدار الساعة وغيرها.
أما في القطاع السياحي، فإن الذكاء الاصطناعي الذاتي او المستقل أعاد تشكيل صناعة السياحة العالمية والاقليمية حيث أن إستراتيجيات التسويق السياحي وتجزئة وإستهداف القطاعات السوقية وإعداد سلسلة التزويد السياحي وخلق القيمة (Tourism Supply Chain and Value Creation) للسائح وإستراتيجيات قضاء وقته قد تغيرت للأبد. أي ان الذكاء الاصطناعي الذاتي شكل ثورة ممنهجة في صناعة السياحة والضيافة (Revolutionized Tourism & Hospitality) وأدى الى خلق ميّزة تنافسية لدى المؤسسات التي إستخدمته من خلال تحسين مستوى رضى وخبرة السائح (Tourist Experience & Satisfaction) أفضل من أي وقت مضى. فالسائح الآن يستطيع إنجاز معاملته بسرعة ووقت وكلفة أقل ويحصل على برنامجه السياحي (شركات طيران، مطاعم، برنامج جولات سياحية، مناطق مقترحة...الخ) من خلال الذكاء الاصطناعي الذاتي او المستقل قبل بدء رحلته السياحية! وعليه، فأن أنموذج السياحة التقليدي (Classical Tourism Paradigm) قد تم إحلاله بالكامل. ماذا أعددنا لذلك؟
أما في مجال التعليم العالي، بشكل عام، فإننا لم نتجاوز مرحلة الحديث عن مزايا الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع والتركيز على محاولات وقف إستخدامه من قبل الطلبة في الامتحانات والحالات الدراسية والتمارين سوا أكان ذلك داخل الحرم الجامعي أو خارجه ولم نتمكّن من توظيفه بالشكل المطلوب في العمليات التعليمية والبحثية والمختبرات والانشطة الجامعية. بالتأكيد، التعميم غير وارد هنا كون هناك بعض الجامعات لدينا قد بدأت بالفعل بوضع إستراتيجيات طموحة لتطبيق الذكاء الاصطناعي وخصصت موازنات جيدة لهذه الغاية وبدأت بتشكيل فرق عمل لإجراء عمليات تحوّل شاملة من أجل تأسيس جامعات ذكية بإستخدام الذكاء الاصطناعي وبالتطبيق المباشر على أرض الواقع. طبعًا، هنا اتحدث عن قيادات واعية وعقليات منفتحه ووجود توجهات إستراتيجية طموحة ووضوح بالرؤية حول كيفية إجراء التحول المؤسسي بإستخدام الذكاء الاصطناعي وخصصت الموارد الإستراتيجية المطلوبة لذلك. أما بعض المؤسسات الجامعية التقليدية التي لم تتبنى الذكاء الاصطناعي كمنهجًا إستراتيجيًا ووفقًا لرؤى إستراتيجية رصينة وهيكل حاكمية مؤسسية يحاكي لغة العصر فإنها ستكون خارج فلك المنافسة قريبًا! من وجهة نظر إستراتيجية، هذا يسمى القصور الذاتي الإستراتيجي (Strategic Inertia) والذي يكون سبباً مباشراً في إضمحلال الموقع الإستراتيجي للمؤسسة (Strategic Position Erosion) وقد يؤدي لزوالها. وهنا، يجب أن يكون تطبيق الذكاء الاصطناعي الذاتي إجباري بحكم القانون لانه أصبح ضرورة وليس ترف من أجل المساهمة في النهوض في الاقتصاد الوطني.
كما أن الذكاء الاصطناعي الذاتي يساهم بشكل كبير في تحقيق الرؤى الإستراتيجية للجامعات الوطنية التي تبنت أنموذج جامعي تطبيقي (An Applied Sciences Model) على غرار الدول المتقدمة التي قطعت أشواطًا مهمة في هذا المضمار وساهمت بشكل جوهري في تحسين إقتصادياتها ورفاهية شعوبها. فمن وجهة نظري، ان الجامعة الألمانية الأردنية تُعد أنموذجًا وطنيًا أردنيًا طموحًا في مشروع التعليم التطبيقي والتحديث الوطني وفقًا لرؤى إستراتيجية واضحة المعالم من خلال تبني الأنموذج التطبيقي الألماني (German Applied Sciences Paradigm) الذي يُعتبر من أفضل النماذج عالميًا وأفضل دليل على ذلك ما حققتة المانيا الاتحاديةوطنيًا وأوروبيًا وعالميًا. وعليه، فإن فلسفة وإستراتيجية الجامعة تقوم على أساس تطبيقي وهناك إستخدام مُكثف لأدوات وأساليب الذكاء الاصطناعي في العمليات التدريسية والبحثية ورسائل مرحلتي البكالوريوس والماجستير ومشاريع الطلبة وأساتذة الجامعة وباحثيها. فمثلًا، خلال الفصل الماضي كان لدى طلبتي ثلاثة مشاريع رسائل لمرحلة البكالوريوس طورت نماذج عملية في الذكاء الاصطناعي وتعليم الآلة (Machine Learning) بالتطبيق المباشر على قطاعات إقتصادية وطنية وكانت النتائج عملية تطبيقية حيّة وفقًا لرؤية الجامعة.
إن القطاعات التي مررنا عليها بعجاله هي أمثله فقط لان كل قطاع مؤسسي او اعمال وكافة مؤسساته يجب أن يبدأ بعملية إستراتيجية شاملة بحيث يكون جوهرها وضع الذكاء الاصطناعي الذاتي موضع التنفيذ في قلب إستراتيجية كل مؤسسة وفقًا لطبيعة عملها وأنشطها وبخلاف ذلك فإن العديد من المؤسسات مهما كانت قوية، سواء حديثة او قديمة، ستكون خارج القدرة على المنافسة وسيكون البقاء في الاسواق لصالح من يتبنى الذكاء الاصطناعي كعمق إستراتيجي بعيد المدى. كما أن هذا التوجه ينسجم نصًا وروحًا مع الرؤى الملكية السامية بقيادة جلالة الملك المعظم ويعمل على تنفيذها سمو ولي العهد الأمين. والدليل على ذلك، ان سمو ولي العهد المعظم أكد في كلمته في منتدى تواصل الأخير على الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي بشكل عام والذكاء الاصطناعي الذاتي بشكل خاص مما يعكس التفكير الاستراتيجي لعقل الدولة والرغبة الجامحة في تطوير وتحسين إقتصادنا الوطني من أجل مستقبل أفضل.
حماك الله يا وطني وحمى الله قيادتنا الهاشمية العزيزة والجيش العربي ونشامى أجهزتنا الأمنية الأبطال.
ملاحظة: هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم