في كل عام، ومع إشراقة ذكرى استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، يتجدد مشهدٌ لا يشبه سواه؛ مشهد وطنٍ يحتفل بنفسه، وشعبٍ يحتفل بوطنه، وقيادةٍ تحتفل بثقة شعبها ومحبتهم الصادقة، غير أن ما استوقفني هذا العام، وأنا أتابع ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع واحتفالات، لم يكن ما جرى داخل الأردن فحسب، بل ذلك الحضور الأردني اللافت في أصقاع الأرض كافة، حيث احتفل المغتربون بعيد الاستقلال وكأنهم يقفون في قلب عمّان، أو على سفوح الكرك، أو بين سهول إربد ووديان الطفيلة.
لقد بدت احتفالات الأردنيين في الداخل زاهيةً ومهيبةً ومليئةً بمعاني الفخر والانتماء، لكن احتفالات المغتربين حملت طعماً آخر؛ طعم الشوق الممتزج بالوفاء، والحنين الممزوج بالاعتزاز، فكلما ابتعد الأردني عن وطنه، ازداد قرباً منه في وجدانه، وكأن المسافات لا تفعل شيئاً سوى تعميق المحبة وترسيخ الانتماء.
شاهدنا أبناء الأردن في دول الخليج، وفي أوروبا، وفي الأميركيتين، وفي أستراليا، يرفعون العلم الأردني بفخر، ويزينون أماكن عملهم ومجالسهم ومنازلهم بألوان الراية الخفاقة، ويستعيدون الأغاني الوطنية والذكريات الجميلة، وكأنهم يرسلون رسالة واحدة للعالم: قد نبتعد عن الأردن جغرافياً، لكن الأردن لا يغادر قلوبنا أبداً.
وما يلفت النظر أن هذا الحب ليس حباً مناسباتياً، ولا عاطفةً عابرةً تفرضها المناسبات الوطنية، بل هو شعور فطري متجذر في وجدان الأردنيين تجاه وطنهم وقيادتهم الهاشمية، فالعلاقة بين الأردنيين والهاشميين لم تُبنَ على المصالح الآنية، بل تأسست على تاريخٍ من الثقة والوفاء والتلاحم الوطني، حتى أصبحت جزءاً من الهوية الأردنية ذاتها.
إن التفاف الأردنيين حول الراية الهاشمية في الداخل والخارج يعكس وعياً وطنياً راسخاً وإيماناً عميقاً بالدولة ومؤسساتها وقيادتها، وفي زمنٍ تتعرض فيه كثير من الدول لاختبارات الهوية والانتماء، يقدم الأردنيون نموذجاً فريداً في وحدة الصف والاعتزاز بالوطن والقيادة، وهو نموذج يستحق التأمل والإشادة.
ولعل من الإنصاف أن نقول إن المغتربين الأردنيين ليسوا مجرد أبناء وطن يعيشون خارج حدوده، بل هم سفراء حقيقيون للأردن في مختلف أنحاء العالم، فقد أثبتوا حضورهم وتميزهم في ميادين الطب والهندسة والتعليم والإدارة والقانون والتكنولوجيا والاقتصاد والبحث العلمي، حتى أصبحت الكفاءات الأردنية علامة جودة واحترام في كثير من المؤسسات العالمية.
لقد حمل الأردني المغترب معه قيم وطنه قبل شهاداته وخبراته؛ حمل الصدق والأمانة والاجتهاد والانضباط، فاستحق المكانة التي وصل إليها، واستحق أن يكون صورة مشرقة للأردن حيثما حلّ وارتحل، ولهذا فإن نجاحات الأردنيين في الخارج ليست نجاحات فردية فحسب، بل هي امتداد لنجاح المدرسة الأردنية في بناء الإنسان وتأهيله وتمكينه.
وفي عيد الاستقلال، لا نحتفي فقط بذكرى وطنٍ نال حريته وسيادته، بل نحتفي أيضاً بأبنائه الذين حملوا اسمه إلى العالم، فرفعوه علماً وأخلاقاً وعملاً وإنجازاً، نحتفي بأولئك الذين أثبتوا أن الأردني قد يغادر وطنه طلباً للرزق أو العلم أو الفرصة، لكنه لا يغادر انتماءه أبداً.
ويبقى الأردن، كما كان دائماً، وطناً يسكن أبناءه أينما كانوا، وتبقى الراية الهاشمية عنواناً لوحدتهم، ويبقى الاستقلال مناسبةً نستذكر فيها أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل عهدٌ يُحفظ، ووفاءٌ يتوارثه الأردنيون جيلاً بعد جيل.
عاش الأردن حراً عزيزاً، وحفظ الله قيادته الهاشمية، وأدام على شعبه الأمن والاستقرار والكرامة.
د. حاكم المحاميد
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
د. دانييلا القرعان يكتب: هل تراجعت القومية العربية أم فشلت بين الفكرة الحضارية وحلم الوحدة السياسية ؟
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
فريحات يكتب: الوطن… ..
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
د. سعود فلاح الحربي يكتب: لغة الدولة وهندسة الكلام
منذ 1 يوم
كُتاب سرايا
د. ذوقان عبيدات يكتب: سندويتشات .. ليش قاعد "بفيٌة دارنا"؟
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
نجوم الفن يزورون الفنان محيي إسماعيل
منذ 6 ساعات
فن
انطلاق تصوير "الفيل الأزرق 3" لكريم عبد العزيز
منذ 7 ساعات
فن
سيرين عبد النور تفجر غضبها بعد مزاعم التحرش بكريستيانو
منذ 7 ساعات
فن
مقطع "الصباحية" يقود البلوغر المصري "كروان مشاكل" للمحكمة
منذ 17 ساعة
فن
باللهجة المصرية .. ديو يجمع سعد لمجرد ومحمد شاكر لأول مرة
منذ 17 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
بعد تسجيله أمام إسبانيا .. نجم منتخب العراق يتوعد فرنسا
منذ 38 دقيقة
رياضة
بعد اشتعال أسعار الذهب .. كم يبلغ ثمن مجسم كأس العالم حاليا؟
منذ 57 دقيقة
رياضة
في الافتتاح والنهائي .. شاكيرا نجمة كأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
رياضة
خلل تقني يمنح مشجعين تذاكر "مجانية" لكأس العالم
منذ 2 ساعة
رياضة
الطموح يتجاوز الأرقام .. الأردن قبل الأخير في القيمة السوقية لمنتخبات مونديال 2026
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
أندر عرض سماوي منذ سنوات .. أين يمكن مشاهدة "الكسوف العظيم"؟
منذ 58 دقيقة
منوعات من العالم
مقتل أخطر 7 تجار مخدرات في صعيد مصر وإصابة ضابطين
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
واقعة مأسوية لسيدة أمام طفلها المراهق تنتهي بوفاتها في مصر
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
مقهى فريد من نوعه لمعرض النمل في بانكوك - صور
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
كيف تساهم في حماية البيئة؟ .. نصائح عملية للحد من الهدر والاستهلاك
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات