د. تيسير رضوان الصمادي
إذا كان هناك من موقف ثابت وسط الحالة الجدلية التي تغلف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهو موقفه الصارم بضرورة خفض أسعار الفائدة؛ ففي الوقت الذي تتسم فيه تصريحاته وقراراته تجاه القضايا الدولية والمحلية الأخرى بالتحول والتغيّر المفاجئ الذي يستعصي على التنبؤ، يظل عداؤه التقليدي للسياسات النقدية المتشددة حازما وثابتا. هذا الموقف هو ما دفعه علناً لانتقاد رئيس المجلس الفيدرالي السابق، جيروم باول، معتبراً سياساته عائقاً أمام تنافسية الاقتصاد، وهو ذاته الدافع الأساسي وراء قراره الحاسم بتعيين كيفين فارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي، آملاً في ترجمة هذا التوجه الثابت إلى واقع يضمن خفض تكليفات الاقتراض وينعش الأسواق.
إلا أن القراءة التحليلية للمشهد الاقتصادي تشير إلى أن فارش، الذي تسلم منصبه رسمياً في منتصف أيار، يجد نفسه أمام معادلة ميدانية شديدة التعقيد؛ فرغم الضجة السياسية والاقتصادية التي صاحبت تعيينه، فإن مواقفه المعلنة تؤكد تمسكه الصارم بـاستقلالية القرار النقدي ومحاربة التضخم كأولوية قصوى لا تخضع للأهواء الحزبية. وبدلاً من تلبية رغبات الإدارة الساعية للتحفيز، يواجه رئيس الفيدرالي الجديد واقعاً تقوده أرقام تضخم مقلقة قفزت إلى أعتاب 3.8% للتضخم العام و4% للتضخم الأساسي في نيسان، مدفوعةً بارتفاع أسعار الطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية الناجمة عن الصراع مع إيران، وتأثر سلاسل التوريد العالمية.
ومما يفاقم هذه الضغوط التضخمية ويعقد مهمة قائد الفيدرالي الجديد الصدمة العنيفة في أسواق السلع الأساسية التي تتجاوز منتجات الطاقة؛ حيث سجلت أسعار الأرز في آسيا خلال أيار الماضي أكبر وتيرة ارتفاع شهري منذ عام 2008، وقفز سعر الأرز الأبيض التايلندي (المؤشر المرجعي للسوق الآسيوية) بنحو 20%، بينما ارتفعت العقود الآجلة في بورصة شيكاغو بنسبة 15%. وتأتي هذه الطفرة الحادة مدفوعة بارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية، وفي مقدمتها اليوريا، بنسب تراوحت بين 40% و50% نتيجة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، علماً بأن منطقة الخليج تساهم بحوالي 40% من إنتاج اليوريا العالمي. وتتزامن تكاليف الإنتاج المرتفعة مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مناخي حاد يتمثل بعودة ظاهرة "إل نينيو" المسببة للجفاف في آسيا، وهو ما دفع دولاً، كالفلبين وفيتنام، للتحذير من تراجع حاد في ناتج المحاصيل الأساسية كالأرز والسكر والزيوت النباتية.
بطبيعة الحال كانت ملامح هذه البيئة الضاغطة المركبة واضحة في اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي السابق الذي عُقد في أواخر نيسان الماضي؛ حيث اتخذ المجلس قراراً بـتثبيت أسعار الفائدة عند نطاقها المرتفع الحالي بين 3.50%-3.75% للمرة الثالثة على التوالي. ولم يكن القرار توافقياً، بل شهد انقساماً لافتاً في التصويت (8-4). ورغم أن التثبيت جاء متوافقاً مع التوقعات، إلا أن كشف الاحتياطي الفيدرالي عن مخاوفه العميقة بشأن استمرار صدمات العرض أثار موجة قلق عارمة في الأسواق العالمية التي تراجعت أسهمها مدفوعة بالمخاوف من تبدد آمال خفض أسعار الفائدة قريباً واستمرارها عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
والآن، تتجه الأنظار بترقب شديد نحو اجتماع الاحتياطي الفيدرالي القادم يومي 16 و17 حزيران، وهو أول اجتماع يقوده كيفين فارش رسمياً. وبحسب معطيات السوق، فمن المستبعد تماماً خفض سعر الفائدة؛ حيث ترجح التقديرات استمرار التثبيت عند نطاق 3.50% - 3.75% كخيار حتمي للتعامل مع انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية. وتتخطى تداعيات هذا التثبيت الطويل حدود الاقتصاد الأمريكي؛ فاستمرار الفائدة المرتفعة يقلص الطلب على السلع والخدمات ويتسبب في تأجيل الاستثمارات التوسعية للشركات وينعكس على معدلات نمو الاقتصاد العالمي. وتعكس أحدث تقديرات صندوق النقد والبنك الدوليين هذه التعقيدات في صورة نمو عالمي متباطئ يتأرجح بين 2.8% و3%. وتأتي هذه القراءة الحذرة لتؤكد على قناعة المؤسسات الدولية بأن سيناريو "الهبوط الناعم" بات مهدداً بشكل حقيقي تحت وطأة الضغوط التضخمية التي تغذيها الصدمات الهيكلية المتلاحقة في جبهتي النفط والغذاء.
ومن شأن هذا السيناريو أن يفاقم بشكل حاد أزمة المديونية العالمية التي سجلت مستويات قياسية تاريخية لتبلغ قرابة 348 تريليون دولار، أو ما يعادل نحو 308% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتظهر الأزمة بوضوح في الأداء الاقتصادي للدول النامية التي تعاني من استنزاف احتياطياتها النقدية لخدمة ديونها الخارجية على حساب الانفاق على برامج ومشاريع التنمية البشرية والبنية التحتية. والمفارقة هنا هي أن الولايات المتحدة، في هذه المرة، ليست بمعزل عن هذه المعضلة أيضا؛ فاستمرار أسعار الفائدة العالية يعمق معضلة الدين العام الأمريكي الإجمالي بمفهومه الواسع، والذي تجاوز عتبة 34.5 تريليون دولار، ليمثل نحو 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يسجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتواجه الخزانة الأمريكية اليوم عبئاً مالياً غير مسبوق، حيث بلغت فاتورة الفوائد الصافية السنوية نحو 1 تريليون دولار، ملتهمة ما يقارب 14% من إجمالي النفقات الجارية للموازنة الفيدرالية، وهي تكلفة باهظة تفوق موازنة قطاعات حيوية أخرى، وفي مقدمتها موازنة الدفاع.
هذا الخلل الهيكلي يضع مستقبل الدولار الأمريكي أمام سيناريو مزدوج الملامح؛ ففي المدى القصير، تؤدي الفائدة المرتفعة والاضطرابات الجيوسياسية إلى تعزيز قوة الدولار كملاذ آمن وجاذب لتدفقات رؤوس الأموال الساخنة الباحثة عن العائد. لكن على المديين المتوسط والطويل، فإن استمرار توسع العجز المالي وتآكل الاستدامة المالية للخزانة الأمريكية، تحت وطأة خدمة الدين، يعزز التوجهات الدولية نحو الابتعاد التدريجي عن الدولرة، ويدفع الاقتصادات الكبرى والناشئة للبحث عن بدائل نقدية وتسوية المعاملات بالعملات المحلية، وهو ما بدأت تفعله الصين وروسيا لأسباب متعددة، مما قد يقوض تدريجياً الهيمنة المطلقة للدولار على النظام المالي العالمي.
وتعيد هذه البيئة الاقتصادية فرز خريطة القوى الدولية والإقليمية بين رابح وخاسر؛ حيث تأتي دول مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك منافذ بعيدة عن مضيق هرمز في طليعة المستفيدين، إذ يعزز ارتفاع أسعار النفط من فوائض ميزانياتها وصناديقها السيادية، وهو واقع يتوقع أن يستمر لبعض الوقت بعد إعادة مضيق هرمز مما يمكن الدول الأخرى المصدرة للطاقة من الاستفادة منه أيضا ويمنحها قدرات مالية قوية لتسريع خطط التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة، رغم ضغوط التضخم المستورد الناجم عن ربط العملات الخليجية بالدولار القوي. في المقابل، تقع الاقتصادات النامية المستوردة صافية للطاقة والغذاء في مأزق حاد نتيجة تفاقم الفاتورة النفطية والغذائية معاً.
ويظهر هذا التباين بعمق عند إسقاط المشهد على عالمنا العربي؛ فبينما تعيش بعض الدول النفطية وفرة مالية، تواجه الدول العربية غير النفطية والمستوردة مثل مصر، والأردن، وتونس، والمغرب، ضغوطاً هيكلية واجتماعية غير مسبوقة. إذ ترفع قفزة أسعار الأسمدة والطاقة كلفة الإنتاج الزراعي المحلي وفاتورة الاستيراد معاً، مما يهدد أمنها الغذائي ويضغط على مستويات معيشة مواطنيها. كما أن معدلات الفائدة المرتفعة تزيد من عبء خدمة ديونها الخارجية على حساب الإنفاق على التعليم، والرعاية الصحية، وبرامج الحماية الاجتماعية، والبنية التحتية المتآكلة. ويتوج هذا المشهد بتحدي البطالة الهيكلية؛ حيث يؤدي تراجع الاستثمارات وبطء نمو القطاع الخاص بفعل تكلفة الإقراض المرتفعة إلى حرمان الطاقات الشابة من فرص العمل، مما يرفع بطالة الشباب إلى مستويات حرجة تتجاوز المعدلات العالمية.
وتتطابق هذه المخاوف مع أحدث آفاق التضخم والنمو المستقبلي الصادرة عن المؤسسات الدولية؛ إذ تشير البيانات إلى أن تأثير صدمات الطاقة والأسمدة وظاهرة "إل نينيو" لن يكون عابراً، بل يهدد بهبوط ناعم متعثر للاقتصاد العالمي مع نمو متباطئ بين 2.8% و3%. وتؤكد التحليلات الهيكلية أن أسعار المواد الغذائية تمتلك طاقة ارتداد بطيئة جداً عند انحسار الأزمات، حيث لا تستعيد الأسواق سوى 1% من استقرارها السعري بعد 6 أشهر، و7% فقط بعد عامين. ومع توقع استغراق تعافي سلاسل إمداد الأسمدة بين عام وأربعة أعوام، وإعادة تأهيل منشآت الغاز المتضررة لفترة قد تصل إلى 5 سنوات، فإن الضغوط التضخمية العالمية مرشحة للاستمرار كمعضلة طويلة الأجل.
الخلاصة هي أن هذا المأزق المركب لم يعد مجرد اختبار لاستقلالية رئيس الفيدرالي الجديد في اجتماع يونيو المقبل، بل هو مأزق هيكلي وتحدٍّ مصيري يقف أمامه صانعو السياسات الاقتصادية والمخططون الاستراتيجيون في العالم أجمع. فهم اليوم أمام معادلة بالغة التعقيد تفرض عليهم الموازنة بين كبح جماح تضخم مستورد وعنيد، وحماية الاستقرار المالي والاجتماعي، في بيئة دولية تحكمها الجيوسياسة وظروف تغير المناخ. وفي ظل هذه الضبابية، لم يعد القرار النقدي أو المالي يحتمل الارتجال، بل يتطلب رؤية تخطيطية رصينة تدرك أن السيطرة على التضخم ومواجهة أزمات الديون سيبقيان بوصلة الاستدامة الاقتصادية.
إذا كان هناك من موقف ثابت وسط الحالة الجدلية التي تغلف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهو موقفه الصارم بضرورة خفض أسعار الفائدة؛ ففي الوقت الذي تتسم فيه تصريحاته وقراراته تجاه القضايا الدولية والمحلية الأخرى بالتحول والتغيّر المفاجئ الذي يستعصي على التنبؤ، يظل عداؤه التقليدي للسياسات النقدية المتشددة حازما وثابتا. هذا الموقف هو ما دفعه علناً لانتقاد رئيس المجلس الفيدرالي السابق، جيروم باول، معتبراً سياساته عائقاً أمام تنافسية الاقتصاد، وهو ذاته الدافع الأساسي وراء قراره الحاسم بتعيين كيفين فارش رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي، آملاً في ترجمة هذا التوجه الثابت إلى واقع يضمن خفض تكليفات الاقتراض وينعش الأسواق.
إلا أن القراءة التحليلية للمشهد الاقتصادي تشير إلى أن فارش، الذي تسلم منصبه رسمياً في منتصف أيار، يجد نفسه أمام معادلة ميدانية شديدة التعقيد؛ فرغم الضجة السياسية والاقتصادية التي صاحبت تعيينه، فإن مواقفه المعلنة تؤكد تمسكه الصارم بـاستقلالية القرار النقدي ومحاربة التضخم كأولوية قصوى لا تخضع للأهواء الحزبية. وبدلاً من تلبية رغبات الإدارة الساعية للتحفيز، يواجه رئيس الفيدرالي الجديد واقعاً تقوده أرقام تضخم مقلقة قفزت إلى أعتاب 3.8% للتضخم العام و4% للتضخم الأساسي في نيسان، مدفوعةً بارتفاع أسعار الطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية الناجمة عن الصراع مع إيران، وتأثر سلاسل التوريد العالمية.
ومما يفاقم هذه الضغوط التضخمية ويعقد مهمة قائد الفيدرالي الجديد الصدمة العنيفة في أسواق السلع الأساسية التي تتجاوز منتجات الطاقة؛ حيث سجلت أسعار الأرز في آسيا خلال أيار الماضي أكبر وتيرة ارتفاع شهري منذ عام 2008، وقفز سعر الأرز الأبيض التايلندي (المؤشر المرجعي للسوق الآسيوية) بنحو 20%، بينما ارتفعت العقود الآجلة في بورصة شيكاغو بنسبة 15%. وتأتي هذه الطفرة الحادة مدفوعة بارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية، وفي مقدمتها اليوريا، بنسب تراوحت بين 40% و50% نتيجة تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، علماً بأن منطقة الخليج تساهم بحوالي 40% من إنتاج اليوريا العالمي. وتتزامن تكاليف الإنتاج المرتفعة مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب مناخي حاد يتمثل بعودة ظاهرة "إل نينيو" المسببة للجفاف في آسيا، وهو ما دفع دولاً، كالفلبين وفيتنام، للتحذير من تراجع حاد في ناتج المحاصيل الأساسية كالأرز والسكر والزيوت النباتية.
بطبيعة الحال كانت ملامح هذه البيئة الضاغطة المركبة واضحة في اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي السابق الذي عُقد في أواخر نيسان الماضي؛ حيث اتخذ المجلس قراراً بـتثبيت أسعار الفائدة عند نطاقها المرتفع الحالي بين 3.50%-3.75% للمرة الثالثة على التوالي. ولم يكن القرار توافقياً، بل شهد انقساماً لافتاً في التصويت (8-4). ورغم أن التثبيت جاء متوافقاً مع التوقعات، إلا أن كشف الاحتياطي الفيدرالي عن مخاوفه العميقة بشأن استمرار صدمات العرض أثار موجة قلق عارمة في الأسواق العالمية التي تراجعت أسهمها مدفوعة بالمخاوف من تبدد آمال خفض أسعار الفائدة قريباً واستمرارها عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
والآن، تتجه الأنظار بترقب شديد نحو اجتماع الاحتياطي الفيدرالي القادم يومي 16 و17 حزيران، وهو أول اجتماع يقوده كيفين فارش رسمياً. وبحسب معطيات السوق، فمن المستبعد تماماً خفض سعر الفائدة؛ حيث ترجح التقديرات استمرار التثبيت عند نطاق 3.50% - 3.75% كخيار حتمي للتعامل مع انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء العالمية. وتتخطى تداعيات هذا التثبيت الطويل حدود الاقتصاد الأمريكي؛ فاستمرار الفائدة المرتفعة يقلص الطلب على السلع والخدمات ويتسبب في تأجيل الاستثمارات التوسعية للشركات وينعكس على معدلات نمو الاقتصاد العالمي. وتعكس أحدث تقديرات صندوق النقد والبنك الدوليين هذه التعقيدات في صورة نمو عالمي متباطئ يتأرجح بين 2.8% و3%. وتأتي هذه القراءة الحذرة لتؤكد على قناعة المؤسسات الدولية بأن سيناريو "الهبوط الناعم" بات مهدداً بشكل حقيقي تحت وطأة الضغوط التضخمية التي تغذيها الصدمات الهيكلية المتلاحقة في جبهتي النفط والغذاء.
ومن شأن هذا السيناريو أن يفاقم بشكل حاد أزمة المديونية العالمية التي سجلت مستويات قياسية تاريخية لتبلغ قرابة 348 تريليون دولار، أو ما يعادل نحو 308% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتظهر الأزمة بوضوح في الأداء الاقتصادي للدول النامية التي تعاني من استنزاف احتياطياتها النقدية لخدمة ديونها الخارجية على حساب الانفاق على برامج ومشاريع التنمية البشرية والبنية التحتية. والمفارقة هنا هي أن الولايات المتحدة، في هذه المرة، ليست بمعزل عن هذه المعضلة أيضا؛ فاستمرار أسعار الفائدة العالية يعمق معضلة الدين العام الأمريكي الإجمالي بمفهومه الواسع، والذي تجاوز عتبة 34.5 تريليون دولار، ليمثل نحو 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى لم يسجل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتواجه الخزانة الأمريكية اليوم عبئاً مالياً غير مسبوق، حيث بلغت فاتورة الفوائد الصافية السنوية نحو 1 تريليون دولار، ملتهمة ما يقارب 14% من إجمالي النفقات الجارية للموازنة الفيدرالية، وهي تكلفة باهظة تفوق موازنة قطاعات حيوية أخرى، وفي مقدمتها موازنة الدفاع.
هذا الخلل الهيكلي يضع مستقبل الدولار الأمريكي أمام سيناريو مزدوج الملامح؛ ففي المدى القصير، تؤدي الفائدة المرتفعة والاضطرابات الجيوسياسية إلى تعزيز قوة الدولار كملاذ آمن وجاذب لتدفقات رؤوس الأموال الساخنة الباحثة عن العائد. لكن على المديين المتوسط والطويل، فإن استمرار توسع العجز المالي وتآكل الاستدامة المالية للخزانة الأمريكية، تحت وطأة خدمة الدين، يعزز التوجهات الدولية نحو الابتعاد التدريجي عن الدولرة، ويدفع الاقتصادات الكبرى والناشئة للبحث عن بدائل نقدية وتسوية المعاملات بالعملات المحلية، وهو ما بدأت تفعله الصين وروسيا لأسباب متعددة، مما قد يقوض تدريجياً الهيمنة المطلقة للدولار على النظام المالي العالمي.
وتعيد هذه البيئة الاقتصادية فرز خريطة القوى الدولية والإقليمية بين رابح وخاسر؛ حيث تأتي دول مجلس التعاون الخليجي التي تمتلك منافذ بعيدة عن مضيق هرمز في طليعة المستفيدين، إذ يعزز ارتفاع أسعار النفط من فوائض ميزانياتها وصناديقها السيادية، وهو واقع يتوقع أن يستمر لبعض الوقت بعد إعادة مضيق هرمز مما يمكن الدول الأخرى المصدرة للطاقة من الاستفادة منه أيضا ويمنحها قدرات مالية قوية لتسريع خطط التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة، رغم ضغوط التضخم المستورد الناجم عن ربط العملات الخليجية بالدولار القوي. في المقابل، تقع الاقتصادات النامية المستوردة صافية للطاقة والغذاء في مأزق حاد نتيجة تفاقم الفاتورة النفطية والغذائية معاً.
ويظهر هذا التباين بعمق عند إسقاط المشهد على عالمنا العربي؛ فبينما تعيش بعض الدول النفطية وفرة مالية، تواجه الدول العربية غير النفطية والمستوردة مثل مصر، والأردن، وتونس، والمغرب، ضغوطاً هيكلية واجتماعية غير مسبوقة. إذ ترفع قفزة أسعار الأسمدة والطاقة كلفة الإنتاج الزراعي المحلي وفاتورة الاستيراد معاً، مما يهدد أمنها الغذائي ويضغط على مستويات معيشة مواطنيها. كما أن معدلات الفائدة المرتفعة تزيد من عبء خدمة ديونها الخارجية على حساب الإنفاق على التعليم، والرعاية الصحية، وبرامج الحماية الاجتماعية، والبنية التحتية المتآكلة. ويتوج هذا المشهد بتحدي البطالة الهيكلية؛ حيث يؤدي تراجع الاستثمارات وبطء نمو القطاع الخاص بفعل تكلفة الإقراض المرتفعة إلى حرمان الطاقات الشابة من فرص العمل، مما يرفع بطالة الشباب إلى مستويات حرجة تتجاوز المعدلات العالمية.
وتتطابق هذه المخاوف مع أحدث آفاق التضخم والنمو المستقبلي الصادرة عن المؤسسات الدولية؛ إذ تشير البيانات إلى أن تأثير صدمات الطاقة والأسمدة وظاهرة "إل نينيو" لن يكون عابراً، بل يهدد بهبوط ناعم متعثر للاقتصاد العالمي مع نمو متباطئ بين 2.8% و3%. وتؤكد التحليلات الهيكلية أن أسعار المواد الغذائية تمتلك طاقة ارتداد بطيئة جداً عند انحسار الأزمات، حيث لا تستعيد الأسواق سوى 1% من استقرارها السعري بعد 6 أشهر، و7% فقط بعد عامين. ومع توقع استغراق تعافي سلاسل إمداد الأسمدة بين عام وأربعة أعوام، وإعادة تأهيل منشآت الغاز المتضررة لفترة قد تصل إلى 5 سنوات، فإن الضغوط التضخمية العالمية مرشحة للاستمرار كمعضلة طويلة الأجل.
الخلاصة هي أن هذا المأزق المركب لم يعد مجرد اختبار لاستقلالية رئيس الفيدرالي الجديد في اجتماع يونيو المقبل، بل هو مأزق هيكلي وتحدٍّ مصيري يقف أمامه صانعو السياسات الاقتصادية والمخططون الاستراتيجيون في العالم أجمع. فهم اليوم أمام معادلة بالغة التعقيد تفرض عليهم الموازنة بين كبح جماح تضخم مستورد وعنيد، وحماية الاستقرار المالي والاجتماعي، في بيئة دولية تحكمها الجيوسياسة وظروف تغير المناخ. وفي ظل هذه الضبابية، لم يعد القرار النقدي أو المالي يحتمل الارتجال، بل يتطلب رؤية تخطيطية رصينة تدرك أن السيطرة على التضخم ومواجهة أزمات الديون سيبقيان بوصلة الاستدامة الاقتصادية.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات