حسن الحاج حسن
بصفتي شيفًا تنفيذيًا عملت لعقود في قطاع الضيافة والمطابخ الكبرى وإدارة المطاعم أؤمن أن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي منشأة غذائية ليس خسارة مادية أو تراجعًا في المبيعات، بل فقدان ثقة الناس بسلامة الطعام الذي يقدم لهم.
حادثة التسمم الغذائي الأخيرة، وقبلها حوادث أخرى شهدها الأردن خلال السنوات الماضية، تؤكد أن سلامة الغذاء ليست شعارًا يُعلق على الجدران، وإنما منظومة علمية متكاملة تبدأ من الإنسان قبل أن تبدأ من الطعام.
في علم سلامة الغذاء، قد يكفي خطأ واحد ليتحول إلى كارثة:
* موظف مريض يباشر عمله.
* غسل يدين غير صحيح أو غير كافٍ.
* تلوث تبادلي بين الأغذية النيئة والجاهزة للأكل.
* حفظ الطعام ضمن “منطقة الخطر الحراري” بين 5 و60 درجة مئوية، وهي البيئة المثالية لتكاثر البكتيريا.
* ضعف في التنظيف والتعقيم أو في الرقابة اليومية.
البكتيريا لا تُرى بالعين المجردة، ولا يتغير بالضرورة لون الطعام أو رائحته أو مذاقه عند تلوثه. لذلك فإن الاعتماد على المظهر أو الطعم ليس وسيلة للحكم على سلامة الغذاء، بل إن الالتزام بمعايير HACCP والممارسات الصحية السليمة هو خط الدفاع الحقيقي.
ومن واقع خبرتي في إدارة المطابخ، أود الإشارة إلى نقطة يغفل عنها الكثيرون، وهي حجم سيخ الشاورما.
كلما زاد قطر السيخ عن القدرة الفعلية للشواية على إيصال الحرارة إلى مركزه، فإن الطبقة الخارجية قد تصل إلى درجة النضج، بينما يبقى قلب السيخ لساعات ضمن منطقة الخطر الحراري (من 5 إلى 60 درجة مئوية)، وهي الدرجة التي تتكاثر فيها البكتيريا بسرعة كبيرة، وقد يتضاعف عددها كل 20 إلى 30 دقيقة في الظروف المناسبة
إن الاستثمار في تدريب العاملين، وإجراء الفحوصات الطبية الدورية، ومنع أي موظف تظهر عليه أعراض مرضية من التعامل مع الغذاء، ليس رفاهية ولا تكلفة إضافية، بل هو استثمار مباشر في حماية أرواح الناس.
وأخيرًا، لا ينبغي أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى مناسبة للتشهير أو إصدار الأحكام قبل اكتمال التحقيقات، بل يجب أن تكون جرس إنذار يدفع جميع العاملين في قطاع الأغذية إلى مراجعة إجراءاتهم، لأن الخطأ في هذا المجال لا يُقاس بعدد الوجبات التي قُدمت بنجاح، وإنما بالوجبة الواحدة التي قد تُعرّض حياة عشرات أو مئات الأشخاص للخطر.
أسأل الله الشفاء العاجل لجميع المصابين، وأن تكون هذه الحادثة دافعًا لتعزيز ثقافة سلامة الغذاء في كل مطبخ، لأن صحة الإنسان مسؤولية كل شخص صاحب مسؤولية ولديه منشية تقدم الطعام
الرجاء الانتظار ...
التعليقات