الاستملاك .. هل بلغ الإفلاس التشريعي حدَّ تسويق الحقوق القائمة على أنها إنجازات؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 22796
الاستملاك ..  هل بلغ الإفلاس التشريعي حدَّ تسويق الحقوق القائمة على أنها إنجازات؟

محمد إبراهيم مطالقة
محامٍ وباحث في القانون

في كل مرة تعجز فيها الحكومات عن الدفاع عن جوهر مشاريع القوانين المثيرة للجدل، تلجأ إلى أسلوب قديم متجدد: تسليط الضوء على أمور ثانوية، وتقديمها للرأي العام على أنها إنجازات تاريخية، في محاولة لصرف الأنظار عن النصوص التي تستحق النقاش الحقيقي.

وهذا ما نشهده اليوم مع مشروع قانون الملكية العقارية.

فالحكومة، ومعها بعض النواب، يروجون لما وصفوه بأبرز مزايا المشروع، والمتمثلة في إلزام الجهة المستملكة بدفع بدل الاستملاك خلال مدة لا تتجاوز خمس سنوات، مع استحقاق المالك لبدل تأخير إذا تجاوزت تلك المدة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين الإنجاز؟

فبدل التأخير ليس حقًا استحدثه المشروع، وإنما هو حق مقرر في التشريع النافذ، والاجتهاد القضائي مستقر على التعويض عن التأخير. أما الحديث عن مدة الخمس سنوات، فهو لا يقدم ضمانة استثنائية، لأن الدولة في غالبية حالات الاستملاك لا تنتظر أصلًا هذه المدة قبل دفع التعويض.

فإذا كان هذا هو الإنجاز الذي اختارت الحكومة أن تتباهى به، فإن ذلك يثير القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان، لأنه يعني أن النقاش يجري حول الهامش، بينما يُراد للناس أن يغفلوا عن المتن.

القضية الحقيقية ليست متى يُدفع التعويض، وإنما كيف سيُقدَّر التعويض؟

هل سيبقى التعويض قائمًا على القيمة السوقية العادلة التي تجبر الضرر الحقيقي؟ أم أننا أمام محاولة تدريجية لتكريس السعر الإداري بوصفه المرجع الفعلي للتعويض، وهو ما بدأت توحي به بعض الاتجاهات القضائية في السنوات الأخيرة؟

هذا هو السؤال الذي ينتظر المواطن الإجابة عنه، لا عدد السنوات التي قد يتأخر فيها صرف التعويض.

ولعل الحكومة لم تتعافَ بعد من ارتدادات مشروع قانون الضمان الاجتماعي، الذي واجه رفضًا شعبيًا واسعًا، وانتهى إلى الرد تحت ضغط الرأي العام. لذلك يبدو أنها تحاول هذه المرة إدارة المشهد بطريقة مختلفة، عبر تسويق عناوين إعلامية جذابة، وتجنب الخوض في النصوص التي تمس حقوق الملكية بصورة مباشرة.

غير أن قانون الملكية العقارية لا يقل أثرًا عن أي قانون اقتصادي أو اجتماعي آخر، لأنه يتصل بأحد أقدس الحقوق التي كفلها الدستور، وهو حق الملكية الخاصة. وأي تعديل يمس قواعد الاستملاك أو تقدير التعويض أو يفتح الباب أمام تحميل المواطنين أعباء ورسوم جديدة، لا يجوز أن يمر عبر منشورات دعائية أو عبارات تسويقية مختزلة.

إن المواطنين لا يريدون معرفة كيفية احتساب فائدة التأخير بعد خمس سنوات، بل يريدون الاطمئنان إلى أن أرضهم لن تُنتزع إلا للمنفعة العامة، وأن التعويض سيكون تعويضًا عادلًا يعكس قيمتها الحقيقية، لا قيمة إدارية قد لا تمت إلى واقع السوق بصلة.

فالتشريعات لا تُقاس بجمال الإعلانات التي تروج لها، وإنما بما تحمله من ضمانات حقيقية للحقوق والحريات.

أما تحويل الحقوق القائمة إلى إنجازات إعلامية، فليس نجاحًا تشريعيًا، بل محاولة لتجميل الصورة، فيما يبقى السؤال الأهم بلا جواب:

هل ما يُخفى في مشروع القانون أخطر بكثير مما يُعلن عنه؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم