تُعد بيئة العمل من أهم العوامل التي تؤثر في جودة الأداء المؤسسي، ورضا الموظفين، وثقة المواطنين بالخدمات العامة. فالموظف لا يعمل في فراغ، ولا يمكن تقييم أدائه بمعزل عن المناخ الإداري والنفسي والتنظيمي الذي يحيط به يوميا. وعندما تتحول بيئة العمل داخل المؤسسات الحكومية إلى بيئة مشحونة بالتوتر، والخوف، والمحسوبية، وضعف العدالة، فإنها تصبح ما يُعرف بـ “بيئة العمل السامة Toxic Work Environment”. وهذه البيئة لا تضر الموظف وحده، بل تمتد آثارها إلى المؤسسة بكاملها، ثم إلى المواطن الذي ينتظر خدمة عادلة وسريعة ومحترمة.
في القطاع العام، تكتسب بيئة العمل أهمية خاصة، لأن الموظف العام لا يعمل لصالح مؤسسة تجارية تبحث عن الربح فحسب، بل يؤدي دورا مرتبطا بالمصلحة العامة وخدمة المجتمع، ويُعد جزءا من صورة الدولة أمام مواطنيها. لذلك، فإن أي خلل في المناخ الوظيفي ينعكس مباشرة على كفاءة الإدارة العامة، وعلى ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها. فالإدارة العامة ليست مجرد قوانين وتعليمات ومكاتب، بل هي قبل ذلك منظومة بشرية تحتاج إلى العدالة، والاحترام، والوضوح، وحسن القيادة.
تظهر بيئة العمل السامة في أشكال متعددة، بعضها واضح ومباشر، وبعضها خفي يتراكم مع الوقت حتى يصبح نمطا مقبولا داخل المؤسسة. من أبرز هذه الأشكال انتشار ثقافة الخوف بدل ثقافة الحوار، حيث يخشى الموظف التعبير عن رأيه أو تقديم ملاحظة مهنية خوفا من العقاب أو التهميش أو نقله من موقعه أو حرمانه من فرصة مستحقة. وفي مثل هذه الأجواء، لا يعود الموظف مهتما بتطوير العمل بقدر ما يصبح منشغلا بحماية نفسه وتجنب الاصطدام مع أصحاب النفوذ داخل المؤسسة.
كما تظهر بيئة العمل السامة في غياب العدالة بين الموظفين، سواء في توزيع المهام، أو فرص التدريب، أو التقييم، أو الترقيات. وعندما يشعر الموظف أن الجهد لا يُكافأ، وأن العلاقات الشخصية تتقدم على الكفاءة، يبدأ الانتماء المؤسسي بالتراجع، ويحل محله الإحباط واللامبالاة. فالعدالة ليست قيمة أخلاقية مجردة فقط، بل هي شرط أساسي لاستقرار المؤسسات ورفع إنتاجيتها. وحين تغيب العدالة، يفقد الموظفون ثقتهم بالنظام الداخلي، ويتحول العمل من ساحة تنافس إيجابي إلى ساحة صراع صامت.
ومن مظاهر السمية أيضا ضعف القيادة الإدارية. فالمدير الذي يستخدم سلطته للسيطرة لا للتوجيه، أو يتعامل مع الموظفين بفوقية، أو يخلق انقسامات داخل الفريق، يسهم في إنتاج بيئة طاردة للكفاءات. فالقيادة في القطاع العام لا تعني امتلاك الصلاحيات فقط، بل تعني القدرة على إدارة الناس بعدل، وتحفيزهم، وتنظيم جهودهم، وحمايتهم من التعسف، وتمكينهم من أداء أدوارهم بكرامة. أما المدير الذي يخلط بين الحزم والتسلط، أو بين المسؤولية والاستحواذ، فإنه لا يبني مؤسسة قوية، بل يزرع الخوف والاحتقان داخلها.
كذلك فإن غياب الشفافية، وتراكم الشائعات، وعدم وضوح المسؤوليات، كلها عوامل تجعل مكان العمل مساحة للتوتر بدل أن يكون مساحة للإنتاج والإنجاز. فحين لا يعرف الموظف ما المطلوب منه بدقة، أو لا يفهم معايير تقييمه، أو يسمع القرارات من الأحاديث الجانبية قبل القنوات الرسمية، تبدأ الثقة بالتآكل. ومع غياب الاتصال المؤسسي الواضح، تصبح الشائعة مصدرا للمعلومة، ويصبح القلق جزءا من الحياة اليومية في العمل.
ولا يمكن تجاهل أثر البيروقراطية السلبية في تعميق هذه المشكلة. فعندما تتحول الإجراءات إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح الالتزام الشكلي أهم من النتيجة، يشعر الموظف بأن جهده محاصر، وأن المبادرة غير مرحب بها. ومع الوقت، تتراجع روح الابتكار، ويصبح الموظف حريصا على تجنب الخطأ أكثر من حرصه على تحقيق الإنجاز. وفي بيئة كهذه، لا تُكافأ الأفكار الجديدة، بل قد تُقابل بالرفض أو السخرية أو التعطيل، لأن الثقافة السائدة تفضل البقاء في المنطقة الآمنة حتى لو كان ذلك على حساب التطوير.
إن خطورة بيئة العمل السامة في القطاع العام تكمن في أنها غالبا لا تظهر دفعة واحدة، بل تتسلل تدريجيا حتى تصبح جزءا من الثقافة المؤسسية. يبدأ الأمر بتصرفات فردية غير معالجة، ثم يتحول إلى نمط إداري مقبول، ثم إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم العلاقة بين الموظفين والإدارة. وهنا يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن المشكلة لا تعود مرتبطة بشخص واحد، بل بثقافة كاملة تحتاج إلى مراجعة شجاعة. فالسمية الإدارية حين تستقر في المؤسسة تصبح مثل الهواء الملوث؛ لا يراها الجميع بوضوح، لكن آثارها تظهر في التعب، وفقدان الحماس، وتراجع الأداء.
وبالتالي، تنعكس هذه البيئة على الموظفين نفسيا ومهنيا. فقد تؤدي إلى القلق، وفقدان الحافز، وزيادة الغياب، وضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات النقل أو الاستقالة متى توافرت الفرصة. وقد تدفع بعض الموظفين إلى الانسحاب الصامت، أي الحضور الجسدي إلى مكان العمل دون مشاركة حقيقية أو رغبة في المبادرة. وهذا النوع من الانسحاب قد يكون أخطر من الغياب الظاهر، لأنه يفرغ المؤسسة من طاقتها الداخلية بينما تبدو الأمور على السطح طبيعية.
أما على مستوى المؤسسة، فتؤدي بيئة العمل السامة إلى ضعف الأداء، وتراجع جودة الخدمة، وتعطيل القرارات، وانتشار السلبية. كما تُضعف روح الفريق، وتزيد من النزاعات الداخلية، وتدفع الموظفين إلى التركيز على العلاقات والمواقع بدل التركيز على النتائج وخدمة الجمهور. وفي النهاية، يدفع المواطن ثمن هذه البيئة من خلال بطء الخدمة، وضعف الاستجابة، وتراجع الثقة بالإدارة العامة. فالمواطن لا يرى غالبا تفاصيل ما يحدث داخل المكاتب، لكنه يشعر بنتائجها عند مراجعة دائرة حكومية أو طلب خدمة أو انتظار قرار.
ومن أخطر آثار بيئة العمل السامة أنها تقتل الكفاءات أو تدفعها إلى الصمت. فالموظف المبدع يحتاج إلى مساحة آمنة للتفكير والتجربة والنقاش، فإذا وجد نفسه في بيئة تعاقب المبادرة أو تساوي بين المجتهد والمتقاعس، فإنه إما أن يغادر متى استطاع، أو يبقى دون أن يقدم أفضل ما لديه. وبهذا تخسر المؤسسات العامة رأس مالها الحقيقي، وهو الإنسان القادر على التطوير والإصلاح.
معالجة بيئة العمل السامة لا تبدأ بالشعارات، بل بإرادة إدارية حقيقية. أولى الخطوات هي الاعتراف بوجود المشكلة، وفتح قنوات آمنة للموظفين للتعبير عن ملاحظاتهم دون خوف. فالمؤسسة التي لا تسمع موظفيها لا تستطيع أن تفهم مشكلاتها بعمق. ولا يكفي أن تُفتح أبواب الشكاوى شكليا، بل يجب أن يشعر الموظف أن صوته سيُسمع بجدية، وأن الإبلاغ عن الخلل لن يتحول إلى سبب لمعاقبته أو عزله أو تشويه صورته.
كما يجب تعزيز مبدأ العدالة في التقييم والترقية وتوزيع المسؤوليات، وربط التقدم الوظيفي بالكفاءة والإنجاز لا بالعلاقات الشخصية. فالعدالة الإدارية لا تعني مساواة الجميع في النتائج، بل تعني منح الجميع فرصا واضحة ومتساوية، وتطبيق المعايير ذاتها على الجميع دون تمييز. وعندما يدرك الموظفون أن المؤسسة تكافئ الجهد الحقيقي، فإن الدافعية ترتفع، والثقة تتحسن، والمنافسة تتحول إلى منافسة مهنية صحية.
كذلك تحتاج المؤسسات العامة إلى قيادات تمتلك مهارات إنسانية وإدارية، لا تكتفي بإصدار التعليمات، بل تحسن الاستماع، وتحفز الفريق، وتحمي الموظفين من التعسف والتهميش. فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تُخيف موظفيها، بل التي تجعلهم يشعرون بالمسؤولية والثقة والانتماء. والمدير الناجح هو من يستطيع أن يجمع بين احترام النظام واحترام الإنسان، وبين تحقيق الأهداف والمحافظة على كرامة العاملين.
ومن الضروري أيضا بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة. فالموظف الذي يسيء استخدام السلطة يجب أن يُحاسب، كما أن الموظف المجتهد يجب أن يُقدّر. ولا يمكن لأي مؤسسة أن تنهض إذا تساوى فيها المنتج والمتقاعس، أو إذا شعر الموظفون أن الصمت هو الطريق الوحيد للسلامة. والمساءلة هنا لا ينبغي أن تكون انتقائية أو انتقامية، بل عادلة وواضحة، تطبق على مختلف المستويات الوظيفية دون استثناء.
كما أن تطوير بيئة العمل في القطاع العام يتطلب مراجعة مستمرة للإجراءات والسياسات الداخلية. فكثير من المشكلات لا تنتج فقط عن الأفراد، بل عن أنظمة قديمة أو تعليمات معقدة أو هياكل تنظيمية غير واضحة. لذلك، فإن تبسيط الإجراءات، وتوضيح الصلاحيات، وتحديث آليات الاتصال، وتفعيل التدريب، كلها خطوات تسهم في تقليل التوتر وتحسين المناخ العام داخل المؤسسة.
ولا يقل دور الموظفين أنفسهم أهمية في مواجهة البيئة السامة. فالموظف مسؤول أيضا عن سلوكه المهني، وعن عدم المشاركة في نشر الشائعات، أو تعميق الانقسامات، أو تبرير الظلم، أو الصمت عن الممارسات التي تضر بالمصلحة العامة ضمن الأطر القانونية والمؤسسية المتاحة. فالثقافة الصحية تُبنى من الإدارة والموظفين معا، وتحتاج إلى وعي جماعي بأن المؤسسة ليست ملكا لفرد أو مجموعة، بل هي مساحة لخدمة الناس وتحقيق الصالح العام.
إن إصلاح بيئة العمل في القطاع العام ليس ترفا إداريا، بل ضرورة وطنية. فالمؤسسة التي تحترم موظفيها تكون أقدر على احترام المواطنين، والموظف الذي يعمل في بيئة عادلة وصحية يكون أكثر استعدادا للعطاء وخدمة الناس بكفاءة. أما استمرار البيئات السامة، فإنه يستنزف الطاقات، ويقتل المبادرة، ويحوّل الوظيفة العامة من رسالة خدمة إلى عبء يومي. ولا يمكن الحديث عن تطوير الإدارة العامة أو تحسين الخدمات دون معالجة جادة للبيئة التي يعمل داخلها الموظفون.
في النهاية، إن بناء قطاع عام فاعل يبدأ من الداخل؛ من المكاتب، ومن طريقة تعامل المدير مع موظفيه، ومن إحساس الموظف بأن كرامته محفوظة، وأن صوته مسموع، وأن جهده لا يضيع. فبيئة العمل الصحية ليست مجرد مطلب وظيفي، بل أساس من أسس الإدارة الرشيدة، ومدخل حقيقي لتحسين الخدمات العامة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وكل إصلاح إداري لا يضع الإنسان في قلب العملية سيبقى ناقصا، لأن المؤسسات لا تنهض بالنصوص وحدها، بل تنهض بالناس الذين يؤمنون بعدالة المكان الذي يعملون فيه، وبقيمة الرسالة التي يؤدونها.
في القطاع العام، تكتسب بيئة العمل أهمية خاصة، لأن الموظف العام لا يعمل لصالح مؤسسة تجارية تبحث عن الربح فحسب، بل يؤدي دورا مرتبطا بالمصلحة العامة وخدمة المجتمع، ويُعد جزءا من صورة الدولة أمام مواطنيها. لذلك، فإن أي خلل في المناخ الوظيفي ينعكس مباشرة على كفاءة الإدارة العامة، وعلى ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها. فالإدارة العامة ليست مجرد قوانين وتعليمات ومكاتب، بل هي قبل ذلك منظومة بشرية تحتاج إلى العدالة، والاحترام، والوضوح، وحسن القيادة.
تظهر بيئة العمل السامة في أشكال متعددة، بعضها واضح ومباشر، وبعضها خفي يتراكم مع الوقت حتى يصبح نمطا مقبولا داخل المؤسسة. من أبرز هذه الأشكال انتشار ثقافة الخوف بدل ثقافة الحوار، حيث يخشى الموظف التعبير عن رأيه أو تقديم ملاحظة مهنية خوفا من العقاب أو التهميش أو نقله من موقعه أو حرمانه من فرصة مستحقة. وفي مثل هذه الأجواء، لا يعود الموظف مهتما بتطوير العمل بقدر ما يصبح منشغلا بحماية نفسه وتجنب الاصطدام مع أصحاب النفوذ داخل المؤسسة.
كما تظهر بيئة العمل السامة في غياب العدالة بين الموظفين، سواء في توزيع المهام، أو فرص التدريب، أو التقييم، أو الترقيات. وعندما يشعر الموظف أن الجهد لا يُكافأ، وأن العلاقات الشخصية تتقدم على الكفاءة، يبدأ الانتماء المؤسسي بالتراجع، ويحل محله الإحباط واللامبالاة. فالعدالة ليست قيمة أخلاقية مجردة فقط، بل هي شرط أساسي لاستقرار المؤسسات ورفع إنتاجيتها. وحين تغيب العدالة، يفقد الموظفون ثقتهم بالنظام الداخلي، ويتحول العمل من ساحة تنافس إيجابي إلى ساحة صراع صامت.
ومن مظاهر السمية أيضا ضعف القيادة الإدارية. فالمدير الذي يستخدم سلطته للسيطرة لا للتوجيه، أو يتعامل مع الموظفين بفوقية، أو يخلق انقسامات داخل الفريق، يسهم في إنتاج بيئة طاردة للكفاءات. فالقيادة في القطاع العام لا تعني امتلاك الصلاحيات فقط، بل تعني القدرة على إدارة الناس بعدل، وتحفيزهم، وتنظيم جهودهم، وحمايتهم من التعسف، وتمكينهم من أداء أدوارهم بكرامة. أما المدير الذي يخلط بين الحزم والتسلط، أو بين المسؤولية والاستحواذ، فإنه لا يبني مؤسسة قوية، بل يزرع الخوف والاحتقان داخلها.
كذلك فإن غياب الشفافية، وتراكم الشائعات، وعدم وضوح المسؤوليات، كلها عوامل تجعل مكان العمل مساحة للتوتر بدل أن يكون مساحة للإنتاج والإنجاز. فحين لا يعرف الموظف ما المطلوب منه بدقة، أو لا يفهم معايير تقييمه، أو يسمع القرارات من الأحاديث الجانبية قبل القنوات الرسمية، تبدأ الثقة بالتآكل. ومع غياب الاتصال المؤسسي الواضح، تصبح الشائعة مصدرا للمعلومة، ويصبح القلق جزءا من الحياة اليومية في العمل.
ولا يمكن تجاهل أثر البيروقراطية السلبية في تعميق هذه المشكلة. فعندما تتحول الإجراءات إلى غاية بحد ذاتها، وعندما يصبح الالتزام الشكلي أهم من النتيجة، يشعر الموظف بأن جهده محاصر، وأن المبادرة غير مرحب بها. ومع الوقت، تتراجع روح الابتكار، ويصبح الموظف حريصا على تجنب الخطأ أكثر من حرصه على تحقيق الإنجاز. وفي بيئة كهذه، لا تُكافأ الأفكار الجديدة، بل قد تُقابل بالرفض أو السخرية أو التعطيل، لأن الثقافة السائدة تفضل البقاء في المنطقة الآمنة حتى لو كان ذلك على حساب التطوير.
إن خطورة بيئة العمل السامة في القطاع العام تكمن في أنها غالبا لا تظهر دفعة واحدة، بل تتسلل تدريجيا حتى تصبح جزءا من الثقافة المؤسسية. يبدأ الأمر بتصرفات فردية غير معالجة، ثم يتحول إلى نمط إداري مقبول، ثم إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم العلاقة بين الموظفين والإدارة. وهنا يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن المشكلة لا تعود مرتبطة بشخص واحد، بل بثقافة كاملة تحتاج إلى مراجعة شجاعة. فالسمية الإدارية حين تستقر في المؤسسة تصبح مثل الهواء الملوث؛ لا يراها الجميع بوضوح، لكن آثارها تظهر في التعب، وفقدان الحماس، وتراجع الأداء.
وبالتالي، تنعكس هذه البيئة على الموظفين نفسيا ومهنيا. فقد تؤدي إلى القلق، وفقدان الحافز، وزيادة الغياب، وضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات النقل أو الاستقالة متى توافرت الفرصة. وقد تدفع بعض الموظفين إلى الانسحاب الصامت، أي الحضور الجسدي إلى مكان العمل دون مشاركة حقيقية أو رغبة في المبادرة. وهذا النوع من الانسحاب قد يكون أخطر من الغياب الظاهر، لأنه يفرغ المؤسسة من طاقتها الداخلية بينما تبدو الأمور على السطح طبيعية.
أما على مستوى المؤسسة، فتؤدي بيئة العمل السامة إلى ضعف الأداء، وتراجع جودة الخدمة، وتعطيل القرارات، وانتشار السلبية. كما تُضعف روح الفريق، وتزيد من النزاعات الداخلية، وتدفع الموظفين إلى التركيز على العلاقات والمواقع بدل التركيز على النتائج وخدمة الجمهور. وفي النهاية، يدفع المواطن ثمن هذه البيئة من خلال بطء الخدمة، وضعف الاستجابة، وتراجع الثقة بالإدارة العامة. فالمواطن لا يرى غالبا تفاصيل ما يحدث داخل المكاتب، لكنه يشعر بنتائجها عند مراجعة دائرة حكومية أو طلب خدمة أو انتظار قرار.
ومن أخطر آثار بيئة العمل السامة أنها تقتل الكفاءات أو تدفعها إلى الصمت. فالموظف المبدع يحتاج إلى مساحة آمنة للتفكير والتجربة والنقاش، فإذا وجد نفسه في بيئة تعاقب المبادرة أو تساوي بين المجتهد والمتقاعس، فإنه إما أن يغادر متى استطاع، أو يبقى دون أن يقدم أفضل ما لديه. وبهذا تخسر المؤسسات العامة رأس مالها الحقيقي، وهو الإنسان القادر على التطوير والإصلاح.
معالجة بيئة العمل السامة لا تبدأ بالشعارات، بل بإرادة إدارية حقيقية. أولى الخطوات هي الاعتراف بوجود المشكلة، وفتح قنوات آمنة للموظفين للتعبير عن ملاحظاتهم دون خوف. فالمؤسسة التي لا تسمع موظفيها لا تستطيع أن تفهم مشكلاتها بعمق. ولا يكفي أن تُفتح أبواب الشكاوى شكليا، بل يجب أن يشعر الموظف أن صوته سيُسمع بجدية، وأن الإبلاغ عن الخلل لن يتحول إلى سبب لمعاقبته أو عزله أو تشويه صورته.
كما يجب تعزيز مبدأ العدالة في التقييم والترقية وتوزيع المسؤوليات، وربط التقدم الوظيفي بالكفاءة والإنجاز لا بالعلاقات الشخصية. فالعدالة الإدارية لا تعني مساواة الجميع في النتائج، بل تعني منح الجميع فرصا واضحة ومتساوية، وتطبيق المعايير ذاتها على الجميع دون تمييز. وعندما يدرك الموظفون أن المؤسسة تكافئ الجهد الحقيقي، فإن الدافعية ترتفع، والثقة تتحسن، والمنافسة تتحول إلى منافسة مهنية صحية.
كذلك تحتاج المؤسسات العامة إلى قيادات تمتلك مهارات إنسانية وإدارية، لا تكتفي بإصدار التعليمات، بل تحسن الاستماع، وتحفز الفريق، وتحمي الموظفين من التعسف والتهميش. فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تُخيف موظفيها، بل التي تجعلهم يشعرون بالمسؤولية والثقة والانتماء. والمدير الناجح هو من يستطيع أن يجمع بين احترام النظام واحترام الإنسان، وبين تحقيق الأهداف والمحافظة على كرامة العاملين.
ومن الضروري أيضا بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية والمساءلة. فالموظف الذي يسيء استخدام السلطة يجب أن يُحاسب، كما أن الموظف المجتهد يجب أن يُقدّر. ولا يمكن لأي مؤسسة أن تنهض إذا تساوى فيها المنتج والمتقاعس، أو إذا شعر الموظفون أن الصمت هو الطريق الوحيد للسلامة. والمساءلة هنا لا ينبغي أن تكون انتقائية أو انتقامية، بل عادلة وواضحة، تطبق على مختلف المستويات الوظيفية دون استثناء.
كما أن تطوير بيئة العمل في القطاع العام يتطلب مراجعة مستمرة للإجراءات والسياسات الداخلية. فكثير من المشكلات لا تنتج فقط عن الأفراد، بل عن أنظمة قديمة أو تعليمات معقدة أو هياكل تنظيمية غير واضحة. لذلك، فإن تبسيط الإجراءات، وتوضيح الصلاحيات، وتحديث آليات الاتصال، وتفعيل التدريب، كلها خطوات تسهم في تقليل التوتر وتحسين المناخ العام داخل المؤسسة.
ولا يقل دور الموظفين أنفسهم أهمية في مواجهة البيئة السامة. فالموظف مسؤول أيضا عن سلوكه المهني، وعن عدم المشاركة في نشر الشائعات، أو تعميق الانقسامات، أو تبرير الظلم، أو الصمت عن الممارسات التي تضر بالمصلحة العامة ضمن الأطر القانونية والمؤسسية المتاحة. فالثقافة الصحية تُبنى من الإدارة والموظفين معا، وتحتاج إلى وعي جماعي بأن المؤسسة ليست ملكا لفرد أو مجموعة، بل هي مساحة لخدمة الناس وتحقيق الصالح العام.
إن إصلاح بيئة العمل في القطاع العام ليس ترفا إداريا، بل ضرورة وطنية. فالمؤسسة التي تحترم موظفيها تكون أقدر على احترام المواطنين، والموظف الذي يعمل في بيئة عادلة وصحية يكون أكثر استعدادا للعطاء وخدمة الناس بكفاءة. أما استمرار البيئات السامة، فإنه يستنزف الطاقات، ويقتل المبادرة، ويحوّل الوظيفة العامة من رسالة خدمة إلى عبء يومي. ولا يمكن الحديث عن تطوير الإدارة العامة أو تحسين الخدمات دون معالجة جادة للبيئة التي يعمل داخلها الموظفون.
في النهاية، إن بناء قطاع عام فاعل يبدأ من الداخل؛ من المكاتب، ومن طريقة تعامل المدير مع موظفيه، ومن إحساس الموظف بأن كرامته محفوظة، وأن صوته مسموع، وأن جهده لا يضيع. فبيئة العمل الصحية ليست مجرد مطلب وظيفي، بل أساس من أسس الإدارة الرشيدة، ومدخل حقيقي لتحسين الخدمات العامة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. وكل إصلاح إداري لا يضع الإنسان في قلب العملية سيبقى ناقصا، لأن المؤسسات لا تنهض بالنصوص وحدها، بل تنهض بالناس الذين يؤمنون بعدالة المكان الذي يعملون فيه، وبقيمة الرسالة التي يؤدونها.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات