الحنفي يكتب: سقوط المعنى التربوي تحت ضجيج المنصات

منذ 1 يوم
المشاهدات : 17342
  الحنفي يكتب: سقوط المعنى التربوي تحت ضجيج المنصات
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي


لم يكن التعليم يوماً مشروعاً قائماً على الضجيج، ولا مهنة تُقاس بحجم الحضور الإعلامي أو كثافة الحملات الدعائية. فجوهر العملية التعليمية أعمق بكثير من أن يتحول إلى سباق في عدد المتابعين، أو منافسة في صناعة الصورة الذهنية الأكثر صخباً. غير أن المشهد الذي فرضته بعض المنصات التعليمية خلال السنوات الأخيرة كشف عن تحوّل مقلق؛ تحوّل انتقل فيه التعليم من فضائه الطبيعي القائم على المعرفة والتربية وبناء العقل، إلى مساحة يغلب عليها التسويق المبالغ فيه والاستعراض الذي تجاوز حدود المقبول تربوياً ومهنياً.
لقد أصبح من الواضح أن بعض المنصات لم تعد تكتفي بتقديم محتوى تعليمي داعم، بل اتجهت إلى صناعة “نجم تعليمي” يتم تضخيمه بصورة تقترب أحياناً من الابتذال أكثر مما تعبّر عن قيمة أكاديمية حقيقية. فالمتلقي اليوم يواجه كماً هائلاً من العبارات المبالغ بها، والصور المصممة بعقلية الترويج التجاري، والخطابات التي تُقدّم المعلم وكأنه حالة استثنائية لا يمكن للطالب النجاح دونها. ومع الوقت، لم يعد التركيز منصباً على جودة المعرفة بقدر ما أصبح موجهاً نحو صناعة الانبهار، وإقناع الطالب بأن التعليم الحقيقي لا يوجد إلا داخل هذه المنصة أو عند هذا الشخص تحديداً.
المشكلة هنا لا تتعلق بالتسويق بحد ذاته، فكل مشروع يحتاج إلى تعريف بنفسه، لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح التسويق بديلاً عن القيمة العلمية، وحين تتحول الرسالة التعليمية إلى منتج استهلاكي يُغلّف بالمؤثرات البصرية والشعارات المبالغ فيها بهدف صناعة صورة ذهنية تتجاوز الواقع بكثير. فالطالب لم يعد يُخاطب باعتباره عقلاً يحتاج إلى بناء، بل باعتباره جمهوراً يجب جذبه وإبهاره واستقطابه بأي وسيلة ممكنة.
ومع هذا التحول، ظهرت لغة جديدة داخل المشهد التعليمي، لغة تقوم على تضخيم الأشخاص لا تعظيم المعرفة، وعلى تسويق الفرد لا ترسيخ قيمة العلم. فأصبحت بعض الخطابات تقدم المعلم باعتباره “الحل المطلق”، أو “الاستثناء الذي لا يتكرر”، في حين يجري اختزال العملية التعليمية بكل تعقيداتها وتراكمها المعرفي في شخص واحد، أو دورة واحدة، أو مجموعة بطاقات يتم الترويج لها وكأنها قادرة على اختصار سنوات من الفهم والتأسيس.
والأكثر خطورة أن هذا الخطاب ترافق أحياناً مع تهميش غير مباشر لدور المدرسة والمعلم داخل الصف. إذ جرى تصوير التعليم النظامي وكأنه عاجز عن مواكبة الطالب، أو غير قادر على إيصال المعرفة، بينما يتم تقديم المنصة التعليمية بوصفها البديل الأكثر كفاءة وتأثيراً. وبهذا، انتقل جزء من الخطاب التعليمي من فكرة “الدعم والمساندة” إلى فكرة “الاستبدال”، وكأن المؤسسة التعليمية بكل ما تمثله من دور تربوي وإنساني أصبحت مجرد تفصيل ثانوي أمام صعود النموذج التسويقي الجديد.

إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في المبالغات الدعائية، بل في الأثر التربوي العميق الذي يتركه على وعي الطلبة. فالطالب الذي يعتاد على ثقافة الاختصار المفرط، وعلى فكرة أن النجاح يمكن شراؤه من خلال ملخص سريع أو بطاقة مكثفة، يفقد تدريجياً علاقته الحقيقية مع المعرفة. ويتحول التعليم بالنسبة إليه من رحلة بناء فكري إلى عملية استهلاك سريعة هدفها اجتياز الاختبار فقط، لا تكوين الفهم ولا بناء الشخصية العلمية القادرة على التحليل والتفكير والاستنتاج.
كما أن تحويل المعلم إلى “صورة دعائية” يحمل إساءة ضمنية لمكانة المهنة نفسها. فالمعلم الحقيقي لا تُقاس قيمته بحجم ظهوره الإعلامي، ولا بعدد المقاطع المنتشرة له، بل بأثره العميق داخل عقل الطالب وسلوكه وطريقة تفكيره. التعليم في جوهره فعل بناء هادئ وتراكمي، لا عرض استعراضي مؤقت. والمعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى كل هذا الضجيج كي تثبت قيمتها.
ولا يمكن إنكار أن المنصات التعليمية قدّمت في جوانب كثيرة خدمات مفيدة وأسهمت في تسهيل الوصول إلى المعرفة، لكن الإشكال يبدأ حين تتغلب عقلية السوق على فلسفة التعليم، وحين يصبح الهدف الأساسي هو صناعة “النجومية” وتحقيق الانتشار، حتى لو جاء ذلك على حساب العمق العلمي، وهيبة المؤسسة التعليمية، وصورة المعلم بوصفه صاحب رسالة قبل أن يكون صانع محتوى.
إن التعليم الذي يُبنى على المبالغة والاستعراض قد يحقق انتشاراً سريعاً، لكنه لا يبني وعياً حقيقياً. فالمعرفة لا تنمو وسط الضجيج، والعقول لا تُبنى بالشعارات، والرسالة التعليمية أسمى بكثير من أن تُختزل في حملات تسويقية متضخمة أو صور مصممة بعقلية المشاهير.
ويبقى الفرق كبيراً بين معلم يصنع أثراً في العقول، وآخر يكتفي بصناعة صورة في الإعلانات.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم