عبيدات يكتب: الأحزاب في الجامعات… هل انتصر الفكر السياسي أم انتصرت الجغرافيا؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11060
 عبيدات يكتب: الأحزاب في الجامعات… هل انتصر الفكر السياسي أم انتصرت الجغرافيا؟
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

لم تعد انتخابات الجامعات الأردنية حدثاً طلابياً عابراً يمكن التعامل معه باعتباره مجرد نشاط موسمي داخل الحرم الجامعي.
فما يجري اليوم في الجامعات يتجاوز حدود المقاعد الطلابية، ليصبح مؤشراً مبكراً على شكل الوعي السياسي الذي سيتسلل لاحقاً إلى مؤسسات الدولة والنقابات والبرلمان والحياة العامة.
ولعلّ السؤال الأكثر حساسية بعد نتائج انتخابات الجامعات الأخيرة، وخاصة في الجامعة الأردنية، ليس:
من فاز؟
بل:
كيف فاز؟
وبأي عقلية انتصر؟
وهل كان الحكم الحقيقي هو الفكر الحزبي… أم الجغرافيا والجهوية والعلاقات الاجتماعية؟
في النظريات السياسية الحديثة، تقوم الأحزاب أصلاً على فكرة تجاوز الهويات الضيقة.
فالحزب وُجد لكي يُذيب الانتماءات الصغيرة داخل مشروع فكري وطني أكبر.
أي أن الأصل في العمل الحزبي أن يجعل الطالب يصوّت للفكرة لا للمنطقة، وللبرنامج لا للعشيرة، وللرؤية السياسية لا للامتداد الاجتماعي.
ولهذا، في الديمقراطيات الناضجة، يُقال:
فاز التيار المحافظ،
أو التيار اليساري،
أو الليبرالي،
أو الإسلامي،
أو الوسطي.
ولا يُقال:
فازت الجغرافيا الفلانية،
أو المحافظة الفلانية،
أو التحالف الاجتماعي الفلاني.
لكن ما تكشفه كثير من الانتخابات الجامعية العربية — وربما الأردنية أيضاً — هو أن الأحزاب نفسها لم تنجح بالكامل في التحرر من البنية الجهوية التقليدية، بل اضطرت أحياناً للتكيّف معها ومغازلتها لضمان الفوز.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة:
الأحزاب التي يُفترض أن تُضعف الجهوية… أصبحت في بعض الأحيان تُعيد تدويرها بلغة سياسية جديدة.
فتجد القائمة الحزبية تحسب:
تمثيل المحافظات،
والتوازنات الاجتماعية،
وثقل البيئات المختلفة،
قبل أن تحسب عمق البرنامج الفكري نفسه.
وبدل أن يتحول الطالب إلى “مواطن سياسي”، يبقى أحياناً “ابن بيئته الانتخابية”، حتى وهو يرفع شعار الحزب.
هذه الإشكالية لا تعني أن الأحزاب فشلت بالكامل، لكنها تعني أن الوعي السياسي الجامعي ما يزال يعيش مرحلة انتقالية مضطربة بين:
الدولة الحديثة،
والمجتمع التقليدي.
فالطالب قد يرفع شعاراً أيديولوجياً كبيراً، لكنه يصوّت في النهاية بناءً على:
المعرفة الشخصية،
أو الجغرافيا،
أو شبكة العلاقات،
أو الشعور الجمعي بالانتماء المحلي.
وهنا يصبح السؤال الأخطر:
هل نحن نبني حياة حزبية حقيقية… أم نمنح الانقسامات القديمة أسماء سياسية جديدة؟
إن أخطر ما قد تواجهه الجامعات ليس وجود الأحزاب، بل تحوّل الحزب نفسه إلى غطاء أنيق للجهوية.
فعندها يفقد العمل السياسي معناه الحقيقي، ويتحول الفكر إلى مجرد ديكور انتخابي فوق بنية اجتماعية لم تتغير.
فالجامعة، في جوهرها، ليست ساحة لإعادة إنتاج الانقسامات، بل مساحة يفترض أن يتعلم فيها الشباب كيف يتحاورون باعتبارهم شركاء في وطن، لا ممثلين لمناطق أو جماعات مغلقة.
وحين تنجح الأحزاب فعلاً في إلغاء الجهوية، سنسمع الناس يقولون:
انتصر الفكر الفلاني…
وسقط المشروع السياسي الفلاني…
لا أن يقولوا:
انتصرت هذه الجهة…
أو تلك المحافظة…
أو ذاك الامتداد الاجتماعي.
عندها فقط يمكن القول إن الجامعة بدأت تنتج وعياً سياسياً حديثاً، لا مجرد نسخة أكثر تنظيماً من الانقسام الاجتماعي التقليدي.
فالأوطان الحديثة لا تُبنى حين ينتصر “أبناء الجهة”،
بل حين تنتصر الفكرة الأفضل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم