المحامي علي بني خالد يكتب: جريمة الترويج للمواد المخدرة

منذ 50 دقيقة
المشاهدات : 8895
المحامي علي بني خالد يكتب: جريمة الترويج للمواد المخدرة
المحامي علي ثامر بني خالد

المحامي علي ثامر بني خالد

في زحمة التحديات التي تعصف بالمجتمعات الحديثة، تبرز جريمة لا تستهدف ممتلكات الأفراد أو أجسادهم فحسب، بل تغتال العقول، وتصادر الإرادة، وتهدم أركان المستقبل. إنها جريمة ترويج المواد المخدرة؛ الجريمة التي لا نبالغ إن وصفناها بأنها أشد أنواع "الإهانة" الموجهة لكرامة الإنسان، وقدسية الحياة، وسيادة الأوطان.
إن من يتأمل في فلسفة التشريع الجنائي يدرك تماماً أن المشرع لم ينظر إلى "المروّج" بالنظرة ذاتها التي ينظر بها إلى "المتعاطي". فإذا كان المتعاطي ضحيةً انزلقت به السبل نحو مستنقع الإدمان ويستوجب العلاج والتقويم، فإن المروّج هو "صانع الموت" الذي يتاجر بآلام الناس، ويستغل ضعفهم لتحقيق إثراء غير مشروع. ومن هنا، جاءت الإرادة التشريعية لتضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه المساس بأمن المجتمع العقلي والصحي.
الترويج خيانة للنسيج المجتمعي الترويج ليس مجرد عملية نقل أو بيع لمادة ممنوعة؛ بل هو في جوهره القانوني والأخلاقي شروع في القتل البطيء، وتدمير ممنهج لطاقات الشباب الذين تعول عليهم الأمة في نهضتها. إن من يدس السموم في عروق المجتمع إنما يوجه إهانة مباشرة لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية. وتتجلى هذه الإهانة في استرخاص حياة الإنسان، وتحويله من كائن حر ومفكر إلى مجرد رقم في سجلات المستشفيات أو السجون.
الردع القانوني وحماية المجتمع لقد أدركت المنظومة القضائية والتشريعية خطورة هذا الفعل، فجاءت النصوص القانونية متشددة، لا تقبل المساومة ولا تتسع لظروف التخفيف إلا في أضيق الحدود التي تخدم العدالة ولا تخل بالردع العام. إن تشديد العقوبات على مروجي المواد المخدرة ليس انتقاماً، بل هو تطبيق لمبدأ "الدفاع الشرعي عن المجتمع". فالقانون يقف كدرع حصين، ليعلن أن المساس بالبنية الأخلاقية والصحية للمجتمع هو خط أحمر، وأن يد العدالة ستطال كل من يعتقد أنه قادر على التكسب من تدمير الآخرين.
"إن جريمة الترويج لا تقف عند حدود ارتكاب الفعل المادي، بل تمتد آثارها لتخلق سلسلة من الجرائم المرتبطة، كالسرقة، والاعتداء، والتفكك الأسري، مما يجعل المروّج شريكاً في كل قطرة دم أو دمعة تسيل بسبب بضاعته المسمومة."
مسؤولية مشتركة ورغم صرامة النصوص القانونية وجهود الأجهزة الأمنية التي تصل الليل بالنهار لاجتثاث هذه الآفة، فإن المعركة ضد ترويج المخدرات ليست معركة قانونية أو أمنية فحسب، بل هي معركة وعي مجتمعي. نحن جميعاً – من رجال قانون، وإعلاميين، ومؤسسات تعليمية، وأسر – نتحمل مسؤولية التصدي لهذه الجريمة، كل من موقعه.
إن سيادة القانون هي الملاذ الأخير لحماية الأوطان، ولكن الوعي هو خط الدفاع الأول. ولن تتوقف هذه الجريمة عن إهانة مجتمعاتنا إلا عندما ندرك جميعاً أن المروّج هو عدو من الداخل، وأن التستر عليه أو التساهل معه هو مشاركة في الجريمة.
ستبقى رسالة المحاماة والقضاء هي إحقاق الحق وصون المجتمع، وسيبقى القانون السيف المصلت على رقاب كل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح أبنائنا.
المحامي علي ثامر الخالدي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم