في أدبيات الاقتصاد الكلي، ترتبط قوة العملة عادةً بقوة الإنتاج، وفائض الميزان التجاري، ونمو الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن الحالة الأردنية تقدم نموذجاً فريداً يكسر هذه القواعد التقليدية؛ حيث يتربع "الدينار الأردني" كواحد من أقوى العملات عالمياً من حيث القيمة الاسمية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي تحديات هيكلية مزمنة تتمثل في ارتفاع المديونية، وتفاقم نسب البطالة، وعجز تجاري مستمر. فكيف استطاع الدينار أن يظل "جبلاً" وسط هذه العواصف؟ وهل هذه القوة نعمة للاستقرار أم نقمة على النمو؟
"المرساة" النقدية: قرار سياسي بامتياز
لا تنبع قوة الدينار من كونه مدعوماً بصادرات تكنولوجية أو موارد نفطية هائلة، بل هي ناتجة عن سياسة "الربط الثابت" بالدولار الأمريكي المتبعة منذ عام 1995. هذه السياسة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل هي "عقد اجتماعي ونقدي" صاغه البنك المركزي الأردني لتوفير مرساة استقرار تحمي مدخرات المواطنين وتجذب الاستثمارات في منطقة تعاني من اضطرابات جيوسياسية حادة.
من خلال هذا الربط، استطاع الأردن كبح جماح التضخم المستورد، وضمان تدفق تحويلات المغتربين (التي تتجاوز مليارات الدولارات سنوياً) في وعاء نقدي آمن ومستقر.
الثالوث المستحيل و"ثمن الاستقرار"
للحفاظ على هذا الاستقرار، يجد صانع القرار النقدي نفسه أمام معادلة "الثالوث المستحيل"؛ فلكي تحافظ على سعر صرف ثابت وحرية في انتقال رؤوس الأموال، عليك التضحية باستقلاليتك النقدية. وهذا يعني أن الأردن مجبر على "استيراد" السياسة النقدية الأمريكية؛ فإذا رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، يضطر البنك المركزي الأردني لرفعها أيضاً للحفاظ على جاذبية الدينار ومنع "الدولرة"، حتى وإن كان الاقتصاد المحلي في حالة ركود ويحتاج لخفض الفائدة لتحفيز الاستثمار.
الاقتصاد الأردني.. ضحية قوته؟
تطرح هذه القوة المصطنعة للدينار تساؤلات قاسية حول "التنافسية". فالدينار القوي يجعل السلع الأردنية (من خضروات وفوسفات وصناعات دوائية) أكثر غلاءً في الأسواق العالمية مقارنة بمنافسيها من دول ذات عملات مرنة. وفي المقابل، يسهّل الدينار القوي عملية الاستيراد، مما يحول الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الخارج، ويضعف القاعدة الإنتاجية المحلية.
هذا ما يصفه بعض الخبراء بـ "المرض الهولندي غير النفطي"، حيث تعمل المنح الخارجية والمساعدات الدولية كمخدر يبقي العملة قوية، بينما تعاني القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) من نزيف مستمر نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج المقومة بالدينار
الجدلية الكبرى: خفض القيمة أم
الإصلاح الهيكلي؟
ينقسم المحللون إلى معسكرين؛ الأول
يرى ضرورة "تعويم" أو خفض قيمة الدينار تدريجياً لتعزيز الصادرات وتحفيز النمو. لكن هذا الطرح يصطدم بواقع مرير: الأردن يستورد معظم غذائه وطاقته بالدولار، وأي خفض في قيمة الدينار سيعني قفزة فورية في الأسعار قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، فضلاً عن تضخم الديون الخارجية التي ستلتهم ميزانية الدولة.
أما المعسكر الثاني، وهو الأقرب للرؤية الرسمية، فيرى أن "الدينار القوي" هو خط الدفاع الأخير عن الطبقة الوسطى والفقيرة. ويؤكد هؤلاء أن مشكلة الاقتصاد ليست في سعر الصرف، بل في "كلف الإنتاج" الأخرى؛ مثل أسعار الطاقة المرتفعة، والبيروقراطية، والضرائب المرتفعة. الحل إذن ليس بإضعاف العملة، بل بتقوية بيئة الأعمال.
خاتمة
يظل الدينار الأردني "أيقونة" للاستقرار في محيط مضطرب، لكنه استقرار مكلف يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الثقة النقدية وتحفيز المحركات الاقتصادية. إن الخروج من عنق الزجاجة لا يكمن في التلاعب بسعر الصرف، بل في تحويل الاقتصاد من الاعتماد على "قوة العملة" إلى الاعتماد على "قوة الإنتاج"، وهي رحلة تبدأ من إصلاحات هيكلية حقيقية تخفض الكلف وتفتح آفاق الابتكار.
الفرجات يكتب: "مفارقة الدينار القوي": هل يحمي الدينار الاردني الاقتصاد أم يقيده؟
منذ 3 شهور
المشاهدات :
45955
الدكتور عيسى الفرجات
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
مهم من "القبول الموحد" للناجحين في التوجيهي بشأن فتح باب التقديم للجامعات الرسمية
منذ 6 أيام
03
الأردن اليوم
"قالي يا بابا في سمكة رح تاكلني في البحر" .. فاجعة غرق الطفل إبراهيم المجالي تهز الأردن .. فيديو
منذ 6 أيام
04
05
آخر الأخبار
مقالات منوعة
علاء القرالة يكتب: الأردن بعيون صينية
منذ 19 ساعة
مقالات منوعة
سلامة الدرعاوي يكتب: الحكومة والموازنة .. معركة ما تبقى من العام
منذ 19 ساعة
مقالات منوعة
ماهر أبو طير يكتب: توظيف الخصوم في الحرب
منذ 19 ساعة
مقالات منوعة
هاني الفلاحات يكتب: أعجبني وأيضاً آلمني .. !!
منذ 1 يوم
مقالات منوعة
سلامة الدرعاوي يكتب: كيف ربحت الملكية الأردنية في زمن الأزمات؟
منذ 1 يوم
أخبار فنية
فن
إلغاء حفلتين لشاكيرا وكريستينا أغيليرا في أبو ظبي
منذ 2 ساعة
فن
عاصي الحلاني يهدي دانا وعريسها آلان "نصي التاني" لرقصتهما الأولى (فيديو)
منذ 5 ساعات
فن
بعد نقله للعناية المركزة .. هل أصيب محمد صبحي بالسكتة الدماغية؟
منذ 6 ساعات
فن
حقيقة ظهور محمد رمضان في برنامج منى الشاذلي
منذ 8 ساعات
فن
شريكة هونغ مين غي السابقة تكشف اتهامات بالعنف .. ووكالته ترد
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
الحكام تحت الميكروفون .. خطوة تاريخية في الدوري الإنجليزي
منذ 3 ساعات
رياضة
بوسكيتس يعود إلى برشلونة من بوابة التدريب
منذ 3 ساعات
رياضة
برشلونة يتوج بكأس خوان جامبر على حساب الأهلي المصري
منذ 5 ساعات
رياضة
روبرتو كارلوس لـ عكاظ: لم أعتنق الدين الإسلامي
منذ 5 ساعات
رياضة
"كدت أموت مرتين" .. حساسية خطيرة كادت تنهي حياة نجم ألمانيا
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مصر .. تحرك ضد مسؤولين بسبب صناع محتوى
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
الولايات المتحدة .. سحب لعبة شهيرة بعد إصابات خطيرة استدعت دخول أطفال إلى المستشفى
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
نزهة تنتهي بفاجعة .. البحر يبتلع عائلة فلسطينية في بريطانيا
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
15 دقيقة يوميًا .. عادة بسيطة تساعدك على إنجاز المهام المؤجلة
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
لماذا نضحك؟ .. ما يكشفه الدماغ عن أقدم لغة بشرية
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات