العدوان يكتب: بكين تعلن ولادة محور جديد… وترامب يراقب صعود العالم المتعدد الأقطاب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11207
  العدوان يكتب: بكين تعلن ولادة محور جديد… وترامب يراقب صعود العالم المتعدد الأقطاب
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

لم تكن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين بعد أيام قليلة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد محطة بروتوكولية في العلاقات الروسية الصينية، بل جاءت كرسالة جيوسياسية مباشرة تعكس تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، وتكشف أن الصين باتت تتحرك باعتبارها مركز الثقل الجديد في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية.
اللافت في المشهد لم يكن فقط توقيت الزيارة، بل طبيعة الرسائل السياسية التي خرجت بها موسكو وبكين، خصوصاً في البيان المشترك الذي حذر من العودة إلى “قانون الغابة” ورفض محاولات بعض الدول إدارة العالم بعقلية الهيمنة والاستعمار السياسي والاقتصادي.
ورغم أن البيان لم يسمّ الولايات المتحدة بشكل مباشر، إلا أن مضمون الرسالة كان واضحاً؛ فالصين وروسيا تعلنان بصورة متزايدة أنهما لم تعودا تقبلان بالنظام الدولي الذي تقوده واشنطن منفردة منذ نهاية الحرب الباردة.
الزيارة جاءت أيضاً لتكشف حدود الإنجاز الذي حاول ترامب تسويقه عقب زيارته الأخيرة إلى بكين. فبينما تحدثت الإدارة الأمريكية عن اختراقات اقتصادية وتفاهمات استراتيجية، ظهر بوتين في قاعة الشعب الكبرى وكأنه يؤكد أن بكين لا تزال تعتبر موسكو شريكاً استراتيجياً لا يمكن استبداله، حتى في ذروة الضغوط الغربية والحرب الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية.
الأكثر أهمية أن ملفات الطاقة حضرت بقوة في المحادثات، خاصة مشروع “قوة سيبيريا 2”، الذي يمثل شرياناً استراتيجياً جديداً لإعادة توجيه صادرات الغاز الروسي نحو آسيا بعد خسارة الأسواق الأوروبية. ورغم استمرار الخلافات الفنية المتعلقة بالأسعار، فإن مجرد استمرار التفاوض يعكس حجم التحول في الجغرافيا الاقتصادية للطاقة العالمية.
بوتين تحدث بوضوح عن أن العلاقات الروسية الصينية وصلت إلى “مستوى غير مسبوق”، مؤكداً أن معظم التبادلات التجارية بين البلدين أصبحت تتم بالروبل واليوان، في إشارة بالغة الدلالة إلى التوجه المتسارع لتقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي داخل المنظومة الاقتصادية الشرقية الجديدة.
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ، فقد ركز على ضرورة مواجهة “التنمر الأحادي” والدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، مع تسريع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، وهي ملفات تدرك واشنطن أنها ستكون عنوان الصراع العالمي القادم.
الرسالة الأخطر في القمة لم تكن اقتصادية فقط، بل استراتيجية بامتياز؛ فالصين وروسيا تحاولان تقديم نفسيهما باعتبارهما معسكر “الاستقرار الدولي” في مواجهة ما تصفانه بالفوضى التي تقودها السياسات الغربية، خصوصاً بعد الحروب الممتدة من أوكرانيا إلى الخليج ومضيق هرمز.
ومن الواضح أن بكين أرادت استثمار التوقيت بعناية. فبعد أيام من استقبال ترامب، تستقبل بوتين بالمشهد ذاته تقريباً، لكنها ترسل رسالة مزدوجة للعالم: الصين قادرة على التحدث مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن تحالفها الاستراتيجي مع موسكو وطهران ضمن مشروع إعادة تشكيل موازين القوة الدولية.
هذا التحول يضع الولايات المتحدة أمام تحدٍ مركب؛ فواشنطن لم تعد تواجه خصماً منفرداً، بل شبكة متنامية من التحالفات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي تسعى تدريجياً لتقويض الهيمنة الأمريكية على التجارة والطاقة والنظام المالي العالمي.
وفي خلفية المشهد، تبدو أزمة هرمز والحرب الإيرانية جزءاً من معركة أكبر تتجاوز حدود المنطقة. فالصين تحتاج إلى استقرار تدفق الطاقة، وروسيا تحتاج إلى كسر العزلة الغربية، وإيران تمثل نقطة ارتكاز جيوسياسية في هذا المحور الصاعد.
أما ترامب، الذي حاول تصوير زيارته لبكين كنجاح استراتيجي، فيجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف؛ فالصين استقبلته، لكنها في الوقت ذاته فتحت أبوابها لبوتين وأعلنت معه بوضوح رفض النظام الأحادي، وكأن بكين تقول للعالم إن عصر القطبية الواحدة يقترب من نهايته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم