أربعة ملفات تحدّد مصير مشروع الأمونيا الخضراء في الأردن

منذ 47 دقيقة
المشاهدات : 24568
أربعة ملفات تحدّد مصير مشروع الأمونيا الخضراء في الأردن

سرايا - وقّع الأردن قبل أيام أول اتفاقية استثمار لإنتاج الأمونيا الخضراء في العقبة، بقيمة مليار دولار. الخبر تلقّى اهتماماً واسعاً ومستحقاً بوصفه إنجازاً اقتصادياً مهماً، وتناولته معظم التغطيات من زاوية حجم الاستثمار وما يعد به من مكاسب. لكن خلف الرقم الكبير تفاصيل فنية تغيّر فهمنا للمشروع جذرياً: لماذا لن تُستهلك قطرة واحدة من هذا الإنتاج داخل الأردن؟ ولماذا قد لا يخفّض المشروع فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطن رغم ضخامته؟ ومن يملك هذا الاستثمار فعلاً، ومن سيحصل على عائده؟ ولماذا يُعدّ هذا التوقيت بالذات — لا الحجم — هو الورقة الرابحة في يد الأردن؟
ما نقدّمه هنا ليس مراجعةً لما قيل، بل طبقة إضافية: قراءة فنية تشرح، بلغة واضحة، ماذا تعني الأمونيا الخضراء أصلاً، وأين يقف الأردن في السباق الإقليمي عليها، وما الذي يقدّمه هذا المشروع فعلاً لكل أردني — وما الذي لا يقدّمه رغم ما يُقال. ثم ننتقل إلى الأهم: الملفات الأربعة التي ستحدّد إن كان هذا المشروع سيتحوّل إلى نجاح حقيقي أم يبقى اتفاقيةً على الورق، وما الذي يجب أن نطالب به اليوم حتى لا تمرّ الفرصة. فالفهم الدقيق هو ما يحوّل الخبر من حدثٍ عابر إلى فرصة نعرف كيف نبني عليها — ونعرف، بالقدر
أولاً، ما هي الأمونيا الخضراء؟
الأمونيا مادة كيميائية واسعة الاستخدام، أبرز تطبيقاتها صناعة الأسمدة، ما يجعلها مرتبطة مباشرةً بسلاسل الغذاء عالمياً. وتُنتَج تقليدياً بالاعتماد على الغاز الطبيعي في عملية عالية الانبعاثات الكربونية.


أما الأمونيا الخضراء فتُنتَج باستخدام الهيدروجين الأخضر — أي الهيدروجين الناتج عن تحليل الماء كهربائياً بكهرباء متجددة كالطاقة الشمسية. وبذلك تتحول من منتج صناعي ملوِّث إلى منتج منخفض الكربون. وأهميتها لا تقف عند كونها سلعة صناعية، بل لأنها وسيلة عملية لنقل وتخزين الهيدروجين، إذ إن نقلها أسهل بكثير من نقل الهيدروجين بصورته الغازية. لهذا أصبحت من أهم منتجات اقتصاد الطاقة النظيفة الصاعد.


الأردن لا يدخل السباق ليكون الأكبر، بل الأذكى
من حولنا، تتسابق دول المنطقة لتصبح مراكز عالمية للهيدروجين الأخضر ومشتقاته: السعودية بمشروع نيوم، ومصر بممرّ قناة السويس الأخضر، وعُمان باستثمارات ضخمة. الأردن يدخل هذا السباق متأخراً وبحجم أصغر بكثير — وهذه ليست بالضرورة نقطة ضعف.


فالمشروع الأردني يراهن على الذكاء لا الحجم: إنتاج مخصّص بالكامل للتصدير إلى أوروبا، يستفيد من قرب الأردن الجغرافي من ذلك السوق، ومن نظام تشغيل مستقل في العقبة يربط الإنتاج مباشرةً بمنفذ التصدير البحري. المنطق هنا واضح: لا نحاول منافسة العمالقة على الحجم، بل احتلال موقع دقيق في سوق محدّدة. هذا تموضع معقول — لكن يجب أن نتذكّر أنه رهان استراتيجي ذكي، لا نجاح محقّق بعد.


ماذا يعني هذا لنا فعلاً؟ (وما لا يعنيه)
هنا تحديداً يجب أن نكون دقيقين، لأن أكثر ما يُقال عن المشروع غير صحيح.
المشروع لا يخفّض فاتورة الطاقة الأردنية، ولا يجعلنا "نصدّر الطاقة بدل أن نستوردها". الأمونيا المنتَجة لن تُستهلك في الأردن، والطاقة الشمسية المخصصة لها معزولة عن الشبكة الوطنية ولا تغذّي بيوتنا ولا مصانعنا. من يَعِد المواطن بأن هذا المشروع سيخفّف عبء فاتورته الكهربائية يبيعه وعداً لا يقدّمه المشروع.


فما الذي يقدّمه إذن؟ شيئاً مختلفاً، وأكثر واقعية: سلعة تصديرية جديدة منخفضة الكربون تُدخل عملةً صعبة إلى الاقتصاد الأردني، وتضع اسم الأردن على خريطة صناعة عالمية صاعدة. وهذا مكسب يستحق الاحتفاء — شرط ألا نبالغ في وصفه.


الفائدة الأهم للأردنيين ليست في الأرقام الإجمالية، بل في القيمة المحلية: فرص عمل نوعية في الهندسة والتشغيل والصيانة، وإشراك شركات أردنية في مراحل التنفيذ، وتطوير العقبة كمركز صناعي ولوجستي. لكن لا بد من الصدق: هذه المكاسب ليست مضمونة تلقائياً. الإيراد يتدفق أولاً إلى شركة المشروع — وهي ائتلاف بولندي–إماراتي بدعم هولندي — لا إلى الخزينة مباشرةً. ونقل المعرفة لا يحدث من تلقاء نفسه في مشروع أجنبي القيادة موجَّه للتصدير؛ إنه ما يجب أن نتفاوض عليه ونصرّ عليه، لا ما ننتظره كهديّة.


لماذا هذا التوقيت بالذات؟
هنا تكمن الفرصة الحقيقية. الاتحاد الأوروبي — السوق المستهدف — يفرض تدريجياً آلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM) التي تُحمّل المنتجات الملوِّثة كلفةً عند الاستيراد، إضافةً إلى توجيهات تُلزم الصناعة باستخدام وقود متجدد منخفض الكربون (RED III). أي أن أوروبا تصنع بنفسها طلباً منظَّماً ومضموناً نسبياً على منتجات كالأمونيا الخضراء. الأردن لا يدخل سوقاً عليه أن يقنعها بالشراء، بل سوقاً مدفوعة بالتشريع نحو الشراء. هذا هو مصدر الميزة، وهو حقيقي.


ما الذي يجب أن نراقبه بعين مفتوحة؟
التفاؤل شيء، والمتابعة الجادّة شيء آخر. أربعة ملفات ستحدّد مصير المشروع:
الإغلاق المالي. حتى أيلول 2027، يبقى المشروع اتفاقيةً على الورق لا منشأةً على الأرض. هذه هي العتبة الأولى لاختبار الجدّية.
اتفاقية الشراء. بما أن المشروع تصديري بالكامل، فإن جدواه معلّقة على توقيع اتفاقية شراء أوروبية طويلة الأجل — وهي ما تزال في طور المفاوضات. دون مشترٍ مضمون، لا تمويل ولا مشروع.


المياه. إنتاج الهيدروجين يحتاج ماءً نقياً، في بلد من أشحّ دول العالم مائياً. الحل الأرجح هو التحلية في العقبة، لكنه يفتح معادلة دقيقة: تحلية المياه نفسها تستهلك طاقة، فتنافس على الكهرباء المتجددة المخصصة للإنتاج. هذا ملف فني واقتصادي يجب أن يُحسم منذ التصميم، لا أن يُؤجَّل.


القيمة المحلية. هذا هو الملف الذي يخصّنا نحن مباشرةً. نجاح المشروع وطنياً لا يُقاس بمليار الدولار، بل بكم وظيفة أردنية، وكم شركة محلية، وكم خبرة قابلة للتكرار في مشاريع قادمة، ستبقى داخل البلد بعد رحيل الكاميرات.


ماذا نريد؟ بصراحة
توقيع هذه الاتفاقية خطوة تستحق الاهتمام، لأنها تنقل الأردن من إنتاج الكهرباء النظيفة نحو محاولة الدخول إلى صناعة تصديرية منخفضة الكربون. هذه فرصة حقيقية — لكنها فرصة، لا إنجاز مكتمل.
ولأنها فرصة، فإن المطلوب واضح ومحدّد:
على وزارة الطاقة أن تنشر معايير شفافة وقابلة للقياس للقيمة المحلية — نسب توظيف أردني، حصص للشركات المحلية، التزامات نقل معرفة — وأن تجعلها جزءاً مُلزِماً من تقدّم المشروع، لا وعداً عاماً.
وعلى الجامعات ومراكز التدريب أن تبدأ اليوم، لا في 2030، ببناء برامج متخصصة في الهيدروجين والأمونيا الخضراء، حتى تكون الكفاءات الأردنية جاهزة حين يبدأ التشغيل.
وعلينا نحن — قرّاءً وإعلاماً ومتابعين — أن نراقب الملفات الأربعة دون أن نكتفي بنشوة يوم التوقيع.
الأردن أمام فرصة دخول مبكر إلى قطاع واعد. وتحويلها إلى نجاح لا يحدث بالتوقيع، بل بما يأتي بعده. فلنحتفِ بالخطوة، ولنراقب الطريق.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم